فوزي آل سيف
19
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
وفي موضوع الزوجة فالأمر أوضح فإنهم يتصورون أن إبداء المحبة والعواطف لها، يجعلها (تركبه)! وأن عليه أن يريها (العين الحمرا) حتى تخضع له وتستجيب! ويتبادل هؤلاء كلمات في كل منطقة تشير إلى توهين شخصية من يتعشق زوجته ويتحبب إليها مثل أنه (خروف) أو أمثال ذلك! وربما تكون العائلة عمومًا أو الزوجة خصوصا قد تعودت على هذا حتى لو أبدى الرجل عواطفه، لرأوا ذلك عجيبا بل ومستهجنا! نقل أحدهم، قائلا: أنا وزوجتي من أعمار الخمسينات، وكانت حياتنا السابقة مؤطرة بجفاف عاطفي، ومع أننا لم نكن متغاضبين، لكن حياتنا كانت هكذا آتي للمنزل، والغداء جاهز، فنأكل، وهي بدورها تطلب هات الشيء الفلاني، وأوصل الشيء الكذائي، طفلك مريض خذه للمستشفى، والآخر يحتاج إلى مذاكرة، والممارسة الجنسية أيضًا هي بحسب الحاجة! وأما إبداء العواطف والمشاعر فلا وجود لها، يقول المتحدث: بعد هذا سمعت عن استحباب قول الرجل لامرأته إني أحبك،[32]وأنه ينبغي أن يبدي لها ذلك.. فالتفت إلى أن حياتنا خالية من هذا! فأحببت أن أغير في حياتنا بحيث تكون عاطفية أكثر وحميمية، فذهبت إلى البيت، وقلت لزوجتي: فلانة أنا أحبك كثيرًا، وأنت حياتي، وجمال عمري. فأصبحت تمعن النظر فيَّ متعجبة: وكأنها تقول: ماذا حدث له! هل أصيب في عقله بشيء؟! أو أنه ـ لا سمح له ـ تناول شيئا؟! فلما أفهمتها أني في كمال وعيي وأني أريد (تلوين حياتنا وجعلها عاطفية أكثر) فاجأتني بالقول: "خلك ثقيل شوي"!. فكان هذا آخر عهده بإبداء هذا الكلام معها وإظهار المشاعر لها! وقد يكون هذا في صفوف المتدينين ـ مع الأسف ـ أكثر من غيرهم، فإن بعضهم يفكرون أن هذه الأمور لا تليق بهم إنما بالأفلام والممثلات! بينما لو نظرت هذه إلى مقدار المشاعر والعواطف التي كان يبديها رسول الله صلى الله عليه وآله لزوجته خديجة وابنته فاطمة عليهما السلام لما اعتبرت قلة العواطف وإبداءها متانة في الشخصية! بل عكسها هو الذي يعبر عن متانة الشخصية وتعادلها، فكل شيء في موقعه يعبر عن التوازن! لقد كان النبي يكرر أنه رُزق حب خديجة في أيام حياتها ويذكر صفاتها الحسنة أيام حياتها، بل بعد موتها. مع أن عادة الرجل عندما تتوفى زوجته، يقل حضورها في حياته، ولا سيما بالنسبة لرسول الله الذي تزوج عدة نساء بعد خديجة. لكنه مع ذلك كان يكثر الثناء عليها، ويتحرى مواضع إرسال رسائل المودة المعربة عن ذلك فيكرم فلانة لأنها كانت تزور خديجة. وعندما يسمع صوت أخت خديجة وهي تطرق الباب وتسلم، فيسمع في صوتها صوت خديجة مع أن عمره الشريف آنئذ كان في حوالي الخمسينات من العمر، ولا نراه يقول ـ كالزوجة التي مر علينا ذكرها: كن ثقيلًا، أونحن كبرنا على هذه المسائل. بل بالعكس، إذا كبر الإنسان، فقد أصبح ناضجًا وهو محل العواطف والمشاعر ارسالًا واستقبالًا. فإذا كانت العواطف في مرحلة ممزوجة بالأمر الجنسي والدافع البدني والجسدي، فإنه مع كبر الإنسان ينضج فيه الجانب العاطفي والمشاعري ويقوى أكثر. بخلاف البدن الذي يتراجع: حتى لقد قال النبي: إن الله قد رزقني حبها.[33]
--> 32 ) الكافي 5 / 569 عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: قول الرجل للمرأة إني أحبك لا يذهب من قلبها أبدا. 33 ينابيع المودة 2/ 51 (