فوزي آل سيف
18
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
البخل العاطفي والبخل المالي قد يكون الإنسان بخيلا بماله وقد تقدمت الاشارة إليه وقد يكون بخيلا بعواطفه ومشاعره، وكلا الأمرين سيء من الناحية الأخلاقية. ويتصف بعض الناس بالبخل في المشاعر والعواطف، فتراه لا يبدي محبته لمن يحب، ولا يظهر إعجابه لمن يعجب به، ولا يعبر عن حنانه لمن يحن عليه. وهذا قد يكون راجعًا إلى خشونة الطبع أصلا وقد يكون البخل العاطفي حتى مع وجود العواطف والمشاعر ولين النفس. وحياة القسم الأول عسيرة، وحياة من يعيش معه أكثر عسرًا، فإن هذا تحيته مشاجرة! وترحيبه صراخ! وأهون ما عنده هو الخشونة! وكأن الله سبحانه حين قسم الرحمة في قلوب عباده، كان هذا غائبًا (!). نقل في سيرة سيدنا ومولانا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله أنه دخل عليه أحد الأعراب - قيل أنه: الأقرع بن حابس، وقيل عيينة بن حصن فرأى هذا الرجل النبيَّ صلى الله عليه وآله قد وضع الحسن والحسين على فخذه، وينحني تارة فيقبل هذا، وأخرى يلاطف ذاك. فما استحسن هذا الرجل الأمر، وقال له: مَاذَا تَفْعَلُ؟ إِنَّ لي عَشَرَةً فَلَا وَاللهِ مَا قَبَّلْتُ أَحَدَهُم يَوْمًا". فقال النبي صلى الله عليه وآله فيما روي عنه: "مَا أَصْنَعُ إِنْ كَانَ اللهُ قَدْ نَزَعَ الرَّحْمَةَ مِنْكَ".[31] إن من كمال إنسانية الإنسان أن يحن ويحب وأن يشفق ويرفق، وكلما كان أكثر إنسانية أبدى عواطفه وأظهر مشاعره، بل إننا نجد الحيوانات، بالنسبة إلى صغارها، تبدي هذا الأمر وتتعطف عليها وتتحنن. وأما القسم الآخر فهو يمتلك عواطف ومشاعر في داخله تجاه أهله وأسرته والآخرين، لكنه ـ لأسبابٍ ـ لا يبديها! ومن تلك الأسباب ما هو ثقافة خاطئة في الحياة الزوجية، مثل الربط بين الضعف وبين التحنن وابداء المشاعر، وبين قوة الشخصية وإظهار القسوة. إن تربية (البداوة) تجعل من إبداء المحبة للأبناء، والبنات، وللزوجة، والأخوات ليس مناسبًا من الرجال ولا هو شغلهم! فالرجل لا بد أن يكون قويًا كما يقولون، ولأجل هذا لا ينبغي أن يظهر تلك المشاعر فإنها من علائم الضعف!
--> 31 ) وردت الرواية بصيغ متعددة كما في ميزان الحكمة 4/ 3670:.. كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبل الحسن والحسين فقال عيينة - وفي رواية غيره: الأقرع بن حابس -: إن لي عشرة ما قبلت واحدا منهم قط، فقال عليه السلام: من لا يرحم لا يرحم. وفي رواية حفص الفراء: فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى التمع لونه وقال للرجل: إن كان الله قد نزع الرحمة من قلبك فما أصنع بك! من لم يرحم صغيرنا ولم يعزز كبيرنا فليس منا.