فوزي آل سيف
167
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
هل اليأس والقنوط شيء واحد؟ تم التعبير في آيات عن الحالة المقابلة للأمل والرجاء والثقة بما عند الله سبحانه، تارة بالقنوط وأخرى باليأس، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن القنوط هو مرحلة متقدمة ومشددة من اليأس، واستشهد على ذلك بقرينة داخلية في تركيب الحروف في كل من الكلمتين ففيما هي في القنوط ذات دلالة على الشدة هي في اليأس ذات دلالة على الرخاوة، والشاهد الآخر هو أن القنوط جاء في القرآن بعد اليأس مما يشير إلى أنه متأخر عنه وحاصل بعده![381]كما نقل قول صاحب الفروق الذي قرر في الفرق بين القنوط والخيبة واليأس: أن انّ القنوط أشدّ مبالغة من اليأس، وأمّا الخيبة فلا تكون الّا بعد الأمل، لأنّها امتناع نيل ما أمل. وأمّا اليأس: فقد يكون قبل الأمل وقد يكون بعده[382].. أقول: هناك مجال للتأمل فيما قال، والشواهد التي أوردها، وذلك أن القرآن الكريم جعل القنوط مرتبطًا بالضلال بينما ربط اليأس بالكفر ولعل هذا مؤشر على أشدية اليأس بالنسبة للقنوط وكونه أسوأ منه ففي آية القنوط قال: (وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) بينما في آية اليأس قال: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ). سنة الحياة قائمة على الابتلاء: إن من يتصور أن أموره دائما معقدة وأنه (وجهه وجه النحس) هو واهمٌ للغاية، فلا يوجد شخص خاص وجهه وجه نحس وآخر وجه إشراق وأن كلا منهما خلق بهذا النحو، كلا وإنما الأول قانط يائس لا يسعى لحل مشاكله بالطريق السليم، ولا يتوكل على الله فيما لا يحتسب من الحلول، وهناك من يكون في أشد المشكلات يقول (هوّن عَليّ ما نزل بي أنه بعين الله). إن الابتلاء في الحياة بالمشاكل هو سنتها الطبيعية وقانونها الاعتيادي، ولذلك يجري على المرسلين كما يجري على الأوصياء والمؤمنين، بل لقد ورد في الروايات أنهم أولى الناس بالبلاء والامتحان! فانظر إلى سورة الأنبياء حيث استعرضت نماذج من ابتلاء رسل الله سبحانه بمختلف أنحاء الابتلاء، فمن ابراهيم الذي ابتلي بمجتمع كافر مضاد لدعوته يقف على رأسه طاغية جبار و(قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ)[383]إلى لوط النبي العفيف الذي كان في وسط تلك القرية الوسخة الفاسقة (الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ) وكان أهلها مستعدين لاقتحام بيته والاعتداء على ضيوفه، وأما أيوب فقد ضرب به المثل في البلاء المتعدد الأطراف والجهات إلى أن (نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ)[384] وابتلاء يونس في بطن الحوت (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ألّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) وابتلاء زكريا بوحدته بعد فناء
--> 381 قال الشيخ المصطفوي في كتابه؛ التحقيق في كلمات القرآن الكريم 9/ 325: قنط " اليأس الشديد، ويدلّ على الشدّة حرفا القاف والطاء، فانّهما من حروف الجهر والشدّة والضغط والاستعلاء. بخلاف السين والياء. فالياء من حروف الجهر والرخاوة والاستفال والسكون. والسين من الهمس والرخاوة والاستفال والسكون.. ويدلّ أيضا على خصوصيّة القنوط: ذكره بعد اليأس في-. وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ- 41/ 49 وأمّا التقييد بالخير أو الرحمة: فلا وجه له، فانّ اليأس يقابل الطمع، فهو انقطاع الرجاء والطمع عن أيّ شيء كان، و إن كان الرجاء والطمع يتعلّق غالبا بما يقصد في الأمور الخيريّة. 382 التحقيق في كلمات القرآن 3/ 156 383 الأنبياء: 68 384 الأنبياء: 83