فوزي آل سيف
168
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
عمره وتصرم أيامه حتى (نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ)[385]والابتلاء الأعظم للبتول مريم العذراء عندما أتهمت في شرفها، وتمنت أن يا ليتها قد ماتت وطواها النسيان! لكن الجامع المشترك بينهم هو أنهم مع هذا الابتلاء على اختلاف صوره، حاولوا قد استطاعتهم حل المشكلة بتخطيطهم، وعندما تجاوزت المشاكل قدراتهم لم ييأسوا وإنما توجهوا إلى ذي القدرة المطلقة، وطلبوا منه الفرج فكان! (وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ). ولهذا ينبغي للمؤمن ألّا يكون سوداويًا يائسًا، ولا منهزمًا قانطًا بل إذا رأى في محيطه أحدًا من هذا الصنف عليه أن يواجهه بما نعتقده كمؤمنين بالله، فإذا قال لك: بأن أمورك ستتدهور من سيء لأسوأ قل له: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ).[386] ينبغي ألّا نتأثر بالأشخاص السلبيين بل ينبغي أن ننقل لهم روح الأمل وحيوية الرجاء وحسن الظن بالله سبحانه، حيث أنه ورد أن الله عند حسن ظن عبده به، وأن يعتقد أنه (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا)[387] خاصة إذا استعان العبد به بقوله الدائم في صلاته: بحول الله وقوته أقوم وأقعد، وبقوله في قراءته الفاتحة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[388]، وبذكره اليومي (أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الأَمْرُ للهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ). بتوكل الإيمان نهزم اليأس والقنوط قد سبق القول إن من بواعث القنوط واليأس: عدم معرفة طريقة الله عز وجل في إدارة الكون. فعندما لا يعرف الإنسان طريقة الله في إدارة خلقه من الناحية النظرية، لا يهتدي الطريق الصحيح من الناحية العملية. إن هناك فرقًا كبيرا بين من يتوهم أن أولياء الله لا ينبغي أن يصيبهم البلاء والمرض، وأنهم في هذه الدنيا لا يعتريهم خوف ولا حزن! وبين من يعتقد بأنهم مشمولون بقول الله تعالى (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)[389] وأنهم أولى من غيرهم بالابتلاء والامتحان! وقد ذكرنا في صفحات سابقة أمثلة عن ابتلاء الله أنبياءه وهم أفضل خلقه! ومن ذلك أيضًا تصور هؤلاء الخاطئ عن حقيقة فرج الله ونصره عباده الصالحين وأولياءه المؤمنين، فإنه إذا سمع ذلك يتصور أن الله لا بد أن يعطل القوانين الكونية والاجتماعية لأجل أن تتحقق حاجته وإلا فلا يوجد فرج ولا استجابة للدعاء ولا نصر للمؤمنين! وهذا ناتج عن مزيج من قلة الصبر والأنانية في وقت واحد!
--> 385 الأنبياء:89 386 ) الشورى: 28 387 ) فاطر: 44 388 ) الفاتحة: 5 389 ) الأنبياء: 35