فوزي آل سيف
16
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
40% على العيال.. وهكذا لم يزل ينزل حتى استقر على أن يكون للعبد 80% بينما يعطي لعيال التاجر 20%، وسافر لكن العبد لم ينفق حتى هذه العشرين بالمائة من ثروة سيده على عياله وإنما استهلك المال كله لنفسه! أترى هذا العبد شاكرا؟ أو جحودا؟ ربنا سبحانه أعطى عباده هذا المال بكامله والنعم بتمامها ثم أوجب عليهم زكاة أموالهم وهي بمقدار إثنين ونصف في المئة، وخمس ما زاد عن مؤونتهم، وندب إليهم مساعدة الضعفاء من خلقه، فلم يقم البعض بأداء هذه الفرائض، واستحق بذلك لقب (الشحيح) كما في رواية الامام الصادق عليه السلام. إن ما يدفع هؤلاء للامتناع عن الاستجابة لما فرض الله عليهم في أموالهم وما أنعم الله عليهم، هو أمور منها: 1/ سوء الظن بالله عز وجل، وكونه بما في يده أوثق منه بما عند الله عز وجل. فلسان حاله يقول: إذا أعطيت زكاتي وخمسي، كيف سأعيش غدا إذا كبرت؟ وضعفت مني القوى؟ وأولادي كيف أوفر لهم حياة كريمة؟ لماذا نقول إن هذا من سوء الظن بالله عز وجل.؟ لأن الله قال (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) فلم نصدق قوله، بينما وعدنا الشيطان الفقر وصدقنا مقالته (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[28]، بل قد يكون الشخص أحسن ظنا بالرصيد الموجود في حسابه من ربه مالك كل شيء! ربنا الذي وعد بأن ما أنفق الإنسان من شيء فإن الله يخلفه عليه، بل تهدد الممسكين بتلف المال وبشر المنفقين بسعته كما في حديث "إِنَّ للهِ مَلِكًا يَنْزُلُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ فَيُنَادِي اللهُمَّ أَعْطِ كُلَّ مُنْفِقٍ خَلَفًا وَكُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفًا". سل نفسك من أصدّق؟ الخمسمائة ريال والمئة دولار؟ أو ربَّ كل شيء؟ نصدق الله سبحانه وتعالى، أو نصدق هذه الورقة؟! من كان هكذا، ينبغي أن يراجع إيمانه. ذلك أن الإنسان البخيل، لا تنحصر مشكلته في يد لا تعطي، بل مشكلة قلب يسيء الظن بالله عز وجل. فيصل إلى مرحلة الخلل العقيدي: فلا يعتقد بالحسنى، ولا بيوم القيامة. ليقول: بيعوا هذا الكلام في سوق أخرى. 2/ الخوف المَرَضي من الفقر. فيشح على الآخرين، ويشح على أهله، بل يشح على نفسه. فهو يعيش في دائرة من الخوف والوجل التي تجعله يعيش في هذه الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب حساب الأغنياء! وهذا يرتبط أيضًا بشدة التعلق بالمال. يذكر الجاحظ في كتابه: البخلاء[29]عن بخيل بلغ الغاية فيه كان إذا جاء إليه الدرهم وصار في يده، قلبه يمينا وشمالا، ثم خاطبه وناجاه. (وشتان بينك العبد الصالح تناجي ربك في جوف الليل وهذا يناجي درهمه!!) فقال مفديا إياه: "بأبي أنت وأمي، أنت ديني وصلاتي وصومي وجامع شملي ومؤنس وحشتي، كم أرضًا قطعت، وكم كيسًا فارقت وكم من خامل رفعت، وكم من رفيع أخملت، إن لك عندي ألا تعرى، وألا تجوع فيها وألا تضحى"، ثم يدخله إلى جيبه وكيسه، ويقول: "نم قرير العين"!.
--> 28 البقرة: 268 29 لجاحظ ؛ عمرو بن بحر: البخلاء 1/ 174(