فوزي آل سيف

158

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

لكنه هنا في الدعاء يتكلم عن خصوص الأمور العبادية، والصلاة منها بالتحديد، فالداعي هنا يخاطب ربه أنه كلما تهيأ واستعد للقيام بين يدي خالقه لمناجاته والصلاة له، فإذا به يشعر بالنعاس ويأكله التثاؤب! ولا يستشعر قربه من الله حال المناجاة حتى وإن تلفظ بألفاظ الدعاء، فاللسان ذاكر والقلب ساهٍ! فهو في العبادة سريع الملل، كثير الكسل، سريع الانصراف، بعكس ما لو كانت جلسة مباسطة مع الأصدقاء فلا مانع أن تطول ساعات مشرقة ومغربة! بل حتى لو كان وحيدا مع هاتفه الجوال فإنه لا مشكلة لديه في البقاء فترة طويلة.. أما مع خالقه وفي رحاب ربه، وضمن التعبد له والتذلل، فإنه لا يلبث أن يمل وينعس.. لماذا؟ لا ريب أنه هذه حالة غير طبيعية، جاءت من خلال أسباب استثنائية، وإلا فإن اللازم أن يقبل الإنسان على خالقه حامدا شاكرا معترفا سائلا! ما لي؟ وما الذي حدث علي حتى صرت هكذا؟ لماذا تعرض عليّ المشاكل والعوائق التي تحول بيني وبينك يا رب؟ ولماذا أصبحت خارج مجالس التوابين وبعيدا عن حلقات العابدين؟ ما هي العوامل والأسباب؟ ينبغي أن نلاحظ هنا تعابير الإمام عليه السلام بأنه يبدأ في ذكر السبب بكلمة (لعلك)، وهذه تستوقفنا في طريقة تحليل الأمور والظواهر، وأنه لا ينبغي الجزم في نسبة النتائج إلى أسباب محددة، فإن النتيجة الواحدة قد تكون مرتبطة بعشرات الأسباب والعوامل المشتركة في إنتاج تلك النتيجة! بينما نحن في الغالب عندما نذكر قضية نذكر سببا أو سببين على سبيل الجزم والقطع أن هذه هي الأسباب المنتجة لتلك النتيجة! كأن الإمام عليه السلام يريد أن يقول: إن ظاهرة الكسل في العبادة لها أسباب كثيرة ومتشابكة ومترابطة.. منها ما هو نفسي ومنها ما هو اجتماعي ومنها غير ذلك. لاحظوا هذا التعبير الدارج عندنا.. من لا يقبل الأمر الفلاني إما هو جاهل أو مغرض! ويستخدمه الكثير من الناس في الكثير من القضايا.. مع أن الموضوع يحتمل أكثر من هذين الشقين. فهل أحطنا علما بكل الأسباب والعوامل والجهات حتى نأتي ونقول: هذا هو فقط! أو إما هذا أو ذاك؟. وهناك نقطة أخرى قد تشير إليها كلمة (لعل) التي تكررت عشر مرات، يعني تم ذكر عشرة أسباب محتملة لحصول الكسل والتواني في العبادة، وهي أن الأسباب تختلف باختلاف الناس، فما قد يكون سببا أساسيا في حياتك للكسل قد يكون فرعيا في حياة غيرك، وبالعكس. وربما لم يكن عند ثالث موجودا، ولأن الدعاء ناظر إلى جميع الأفراد المفرطين في العبادة، فهذا يناسب أن يستعمل كلمة (لعل) من أن تكون الأسباب مرتبة ترتيبا نهائيا بالنسبة لجميع الأفراد. إن من لا يذهب إلى المسجد أصلا، هذا قد نُحي عن باب بيت الله عز وجل، فلم يوفق لأن يقف بين يدي خالقه في بيته! وهذا حرمان مضاعف، أي أنه محروم حتى من الحضور الجغرافي والبدني في بيت الله فضلا عن الحضور القلبي والخشوع بين يدي الله. إن أقرب باب لله تعالى هو باب بيوته وبيوته في الأرض المساجد[359]، فإذا حرم منها فقد حرم من خير كثير.

--> 359 ) البروجردي؛ السيد حسين: جامع أحاديث الشيعة 4/ 445 عن رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله تبارك و تعالى: ان بيوتي في الأرض المساجد تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض ألا طوبى لمن كانت المساجد بيوته ألا طوبى لعبد توضأ في بيته.