فوزي آل سيف

159

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

(وعن خدمتك نحيتني) إن كون الإنسان في مقام العبودية لله، والخدمة والطاعة، هو مرتبة عالية لا ينالها كل أحد بل خاصة أنبيائه وأصفيائه، فإن فخر نبينا المصطفى سيد الخلائق هو أنه (عبد الله ورسوله) وأحسن صفة للأنبياء وُصفوا بها في القرآن (نعم العبد)،[360]وكان أمير المؤمنين عليه السلام يفتخر قائلا (إلهي كفى بي عزا أن أكون لك عبدا وكفى بي فخرا أن تكون لي ربا). فإذا خرج إنسان عن هذه المرتبة فقد خرج عن إحدى المراتب العالية، وقد لا يشعر بذلك أو يشعر! وفي هذا تذكر القصص الأخلاقية أن رجلا من بني إسرائيل، كان مستقيما صالحا وعابدا لله، ثم تأثر بالدنيا وتيار الشهوات، وترك كل هذا المسار، ولم يتغير عليه شيء من أمر الدنيا، من أموال ومتع! فجاء إلى نبي ذلك الزمان، وقال له: ألا تقولون أن من أعرض عن ذكر الله تكون حياته ضيقة متعبة؟ إنه لم يتغير علي شيء! فأوحى الله إليك أن يخبره، أن الله عاقبه بأن سلبه حلاوة ذكره، ولذة مناجاته. لا تعني العقوبة بالضرورة أن يصفعك الله بالبلاء على وجهك!. يكفي أنه يجعلك غير مقبل على الدعاء، وغير راغب في الوقوف بين يديه! يكفي أنك تتسكع على أبواب الخلق، وتفر من باب الخلاق! يكفي ألّا ترتاح إلى ذكر الله، بينما تهش إلى ذكر أعداء الله!. إن البعض من الناس يتسابقون إلى خدمة السلطان، ويتوسلون بهذا وذاك ليقتربوا من قصره أو يكونوا من حاشيته ومن ينظر إليهم بعطفه! فما ظنك بمن يكون خادما لملك الملوك وسلطان السلاطين! بينما يفتخر أشخاص بأنهم يعرفون الرئيس الفلاني، والوزير الكذائي، يتعلق عباد الله بأنهم يعرفون خالقهم وخالق كل شيء، ويتعلقون به ويرتبطون به. ومن الأسباب التي يذكرها الدعاء الاستخفاف بحق الله سبحانه "أوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُسْتَخِّفًا بِحَقِكَ فَأَقْصَيْتَنِي" وهو أسوأ درجة من العصيان. الاستخفاف بحق الله عز وجل يعني تصغير مقدار الله وشأنه، ما هو حق الله تعالى؟ فقد يعصي العبد ربه ولكنه خائف معترف، فهذا وإن عصى إلا أنه يختلف عن ذلك الذي جعل ربه (أهون الناظرين)، ولأجل هذا فرق دعاء آخر بين المرتبتين فقال "إِلَهِي مَا عَصَيْتُكَ حِينَ عَصَيْتُكَ وَأَنَا بِرُبُوبِيَّتِكَ جَاحِدٌ، وَلَا بِعَظَمَتِكَ مُسْتَخِفُّ، وَلَكِنْ بَلِيَّةٌ عَرَضَتْ لِي وَغَرَّنِي سِتْرُكَ المُرْخَى عَلَيَّ". فأنا لا أستخف بعظمتك يا رب، ولا أهوّن من نظرك إلي.. وفي موضع آخر من دعاء أبي حمزة يقول: " فَلَوِ اطَّلَعَ الْيَوْمَ عَلى ذَنْبي غَيْرُكَ ما فَعَلْتُهُ، وَلَوْ خِفْتُ تَعْجيلَ الْعُقُوبَةِ لاَجْتَنَبْتُهُ، لا لاَنَّكَ اَهْوَنُ النّاظِرينَ وَاَخَفُّ الْمُطَّلِعينَ، بَلْ لاَنَّكَ يا رَبِّ خَيْرُ السّاتِرينَ، وَاَحْكَمُ الْحاكِمينَ". وقد يكون السبب أعظم من الاقصاء، وهو بغض الله وكراهيته للعبد على أثر اعراضه المستمر عن ربه "أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُعْرِضًا عَنْكَ فَقَلَيْتَنِي". القِلى، يعني: الكره والبغض. فإن الله سبحانه وتعالى من رأفته بعبده لا يعرض عنه بمجرد عصيانه، بل يظل يواتر عليه نعمه، ويفتح له باب التوبة والعودة، بما لا يفتحها والد لولده ولا حبيب لحبيبه.. مع غنى الله عن عبده، وعدم تضرره من معصيته، لكنها رحمته التي وسعت كل شيء. لكن هذا إذا فهمه العبد بنحو خاطئ فإن الله سبحانه لا يظل " يتوسل " بهذا العبد الجاهل المعرض، بل يقليه ويبغضه، ومتى أبغضه أبعده عن رحمته وإن اتسعت لكل شيء. ينتهي الاعراض إلى أن تكون معيشته الدنيوية ضنكا ويحشر يوم القيامة أعمى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ

--> 360 وصف بها نبي الله سليمان، ونبي الله أيوب.