فوزي آل سيف

157

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

عوامل الكسل عن العبادة وفيها جاء في الدعاء المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي، المنقول عن سيدنا زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام، هذه الفقرة: "اللهُمَّ إِنِّي كُلَّمَا قُلْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ وَتَعَبَّأْتُ وَقُمْتُ لِلصَّلَاةِ بَيْنَ يَدَيْكَ وَنَاجَيْتُكَ، أَلْقَيْتَ عَلَيَّ نُعَاسًا إِذَا أَنَا صَلَّيْتُ، وَسَلَبْتَنِي مُنَاجَاتَكَ إِذَا أَنَا نَاجَيْتُ. مَالِي كُلَّمَا قُلْتُ قَدْ صَلُحَتْ سَرِيرَتِي، وَقَرُبَ مِنْ مَجَالِسِ التَّوَّابِينَ مَجْلِسِي عَرَضَتْ لِي بَلِيَّةٌ أَزَالَتْ قَدَمِي وَحَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ خِدْمَتِكَ سَيِّدِي. لَعَلَّكَ عَنْ بَابِكَ طَرَدْتَنِي، وَعَنْ خِدْمَتِكَ نَحَّيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُسْتَخِّفًا بِحَقِكَ فَأَقْصَيْتَنِي أَوْ لَعَلَّكَ وَجَدْتَنِي فِي مَقَامِ الكَاذِبِينَ فَرَفَضْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي غَيْرَ شَاكِرٍ لِنَعْمَائِكَ فَحَرَمْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ فَقَدْتَنِي مِنْ مَجَالِسِ العُلَمَاءِ فَخَذَلْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي فِي الْغَافِلِينَ فَمِنْ رَحْمَتِكَ آيَسْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي آلَفُ مَجَالِسَ البَطَّالِينَ، فَبَيْنِي وَبَيْنَهُم خَلَّيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ لَمْ تُحِبْ أَنْ تَسْمَعَ دُعَائِي فَبَاعَدْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ بِجُرْمِي وَجَرِيرَتِي كَافَيْتَنِي أَوْ لَعَلَّكَ بِقِلَّةِ حَيَائِي مِنْكَ جَازَيْتَنِي". نشير في البداية نشير إلى أن راوي هذا الدعاء هو ثابت بن دينار المعروف بأبي حمزة الثمالي، والذي شُبه من قبل الإمام جعفر الصادق عليه السلام، بأنه كسلمان في زمانه. بينما شبهه الإمام علي الرضا عليه السلام بأنه كلقمان في زمانه؛ وعلل ذلك: " أَنَّهُ خَدَمَ مِنَّا أَرْبَعَةً": علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر. أي: أدرك أربعة من الأئمة، وانتفع من علمهم، وأخذ من هداهم. وتوفي سنة 150هـ. بداية زمان إمامة الإمام موسى الكاظم عليه السلام. وكان هو وأبناؤه على خط أهل البيت، وقد استشهد ثلاثة من أبنائه مع الشهيد زيد بن علي بن الحسين. وأما الدعاء، فهو نموذج من أدعية الأئمة المعصومين عليهم السلام في مناجاتهم لله تعالى، ومخاطبتهم إياه سبحانه، لأنفسهم من جهة وتعليم أصحابهم وأتباعهم آداب التخاطب مع باريهم وخالقهم. وقد احتوت هذه الأدعية بالإضافة إلى التضرع والتعبد، على معارف دينية وأخلاقية عميقة وعظيمة، بل كانت هذه الأدعية أحد أساليب الأئمة عليهم السلام في بث المعرفة والوعي الديني بين الناس. والناظر في الأدعية المنقولة عن المعصومين عليهم السلام يلحظ الفرق بينها وبين المنقولة عن غيرهم، فليس الدعاء عنهم مجرد طلبات: يا رب اعطني كذا، واصرف عني كذاك.[358] وفيما يرتبط بالفقرة المنقولة من دعاء الإمام عليه السلام، فإنه يذكر أولا يذكر حالة تعرض للإنسان، وهي الكسل والفتور في العبادة، وعدم القيام بحق الله عز وجل ويصفها أولا ببيان بعض أعراضها، ثم يذكر العوامل التي قد تسببها، والعجيب أن كل ذلك يتم بصيغة الدعاء والمناجاة والاعتراف. إنه لا ريب أن العبادة هي غاية خلق الإنسان كما قال تعالى: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) والمراد بالعبادة هنا: معناها الشامل. أي أن يكون كل عمل تقوم به منبعثا عن طاعتك لله وتعبدك بأوامره، حتى ترفيهك لنفسك، وكسبك للمال، وصرفك على العيال، فلو كان ذلك من خلال انطلاق الإنسان من عبوديته لله، فإنه يكون عبادة، وليس معنى العبادة خصوص المعنى المصطلح، الذي يعني القيام بأعمال مخصوصة أو أذكار معينة، كالصلاة أو الصيام أو الحج..

--> 358 ) للتفصيل يراجع كتابنا تأملات في شرح دعاء الندبة