فوزي آل سيف
155
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
وسنأتي بذكر مثال من علمائنا وهو المولى صالح المازندراني[355]نقل عنه القول: "أنا حجة على جميع طلبة العلم فإنني لا أتصور أحدا أضعف حافظة مني ولا أكثر فقرا". ومع ذلك فقد وصل إلى أعلى المراتب، وله شرح كبير على كتاب الكافي للكليني (الأصول والروضة) في اثني عشر مجلدا وفيه بحوث دقيقة كما له شرح على من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق. ونتناول جوانب من حياته المباركة، لنبدأ مما نسب إليه من أنه ممن يحتج بهم على طلاب العلم، فإنه ينقل عنه: أنه ما تعلم القراءة والكتابة إلا في الثلاثين من العمر! وذلك لأنه كما قيل كان كثير النسيان، فما يدرسه اليوم ينساه في اليوم الذي بعده، بل كان نسيانه إلى حد أنه يخرج من بيتهم، ثم ينسى أين هو، فيظل حائرا كيف يعود إليه. أو يذهب اليوم إلى بيت أستاذه. ثم اليوم الثاني ينسى أين البيت! بل أحيانا ينسى طريق منزله هو! ولكنه وصل إلى مرتبة قيل عنه فيها " كان ماهراً في المعقول والمنقول، جامعاً للفروع والأُصول".[356] ويتحدثون عن فقره فيقولون إنه كان قبل زواجه لا يملك غير ثوب واحد، فإذا تنجس أو اتسخ غسله وظل ينتظر حتى يجف، ثم يذهب فيه إلى الدرس. وأما وسائله في الكتابة والتحرير فكان يجمع الأوراق الموجودة في الطريق ويكتب عليها. مع أن الحالة كانت في زمن أستاذه العلامة المجلسي الأول محمد تقي ووالد زوجته حالة يسر، وكان الورق فيها منتشرا. واستمر به الحال هكذا إلى أن تزوج ابنة المجلسي الأول وأخت العلامة المجلسي الثاني محمد باقر، فتغيرت حالته بالتدريج. ومحل الشاهد في هذه القصة: أن هذا الذي كان ينسى إلى حد أنه لا يتذكر طريق منزله الشخصي، وطريق منزل أستاذه، والذي تعلم القراءة والكتابة وهو في الثلاثين من العمر، هو نفسه بسعيه ونشاطه واستمراه صار أحد أعاظم علماء الطائفة. مع أنه لم يكن لديه حافظة استثنائية بل ولا عادية. أما النموذج الآخر في النشاط والسعي والدأب وعدم الكسل، وهو نموذج معاصر فهي المرأة الأمريكية المعروفة: هيلين كيلير. هيلين كيلير، كاتبة وأديبة وناشطة سياسية، توفيت سنة 1968 عن عمر يقارب 79 سنة كانت فيها صماء وبكماء وخرساء! فهي قد أصيبت بعد ولادتها بـ 20 شهر تقريبا، بمرض أفقدها السمع والبصر، وهذا يعني أن اثنين من منافذ المعرفة الثلاثة (السمع والبصر والفؤاد) قد ذهبا. لكن الذي لم يذهب عنها مساعدة والديها، وعزيمة بقيت تغذي طموحها باستمرار وتقدح ارادتها! ولولا ذلك لكان أقصى ما ستحققه أن تكون متسولة على قارعة طريق! بمساعدة مدرسة جلبها والدها لها، تمكنت من تعلم الأشياء بالإحساس، باللمس، وبحركة الشفة حتى دخلت المدرسة الابتدائية بعد ذلك، والمدرسة المتوسطة، والمدرسة الثانوية، ثم الجامعة (هذا كله وهي لا ترى ولا تسمع) وتخرجت في تخصص العلوم والفلسفة! وهي أول جامعية كفيفة البصر وصماء في تاريخ الجامعات.
--> 355 ) توفي في اصفهان سنة 1081 أو 1086 هـ، ونقل عنه المحدث النوري في خاتمة المستدرك 2/ 197 أنه كان يقول: وكان (رحمه الله) يقول: أنا حجّة على الطلّاب من جانب ربّ الأرباب؛ لأنّه لم يكن في الفقر أحد أفقر منّي، وقد مضى علَيّ برهة لم أقدر على ضوء غير ضوء المستراح. وأمّا في الحافظة والذهن فلم يكن أسوأ منّي، إذا خرجت من الدار كنت أضلّ عنها وأنسى أسامي أولادي، وابتدأت بتعلّم حروف التهجّي بعد الثلاثين من عمري، فبذلت مجهودي حتّى مَنّ اللّٰه تعالى عَلىّ بما قسمه لي... 356 ) روضات الجنات / محمد باقر الخوانساري