فوزي آل سيف

154

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

يتوانى عن الشيء حتى يفرط فيه حيث لا تبقى الأشياء بانتظاره دائما، وإنما هي مرهونة بأوقاتها، وهي فرص محدودة بحدودها الزمانية والمكانية ولا تبقى إلى الأبد وفي كل الأماكن!، فلنفترض: صلاة الجمعة. فإن النشط يقوم قبل وقتها بمدة كافية فيغتسل غسل الجمعة، ويتطيب، ويتهيأ، ويبادر للذهاب وقد حسب مقدار المسافة لكي يكون مع أول وقتها في المسجد. وأما الكسلان فإنه يتوانى ويتأخر إلى أن يقترب وقت الآذان، فيضيق عليه الوقت أن يغتسل إذ الوقت لا يتوقف ولا ينتظره، وهكذا ضاع عليه الاغتسال، لكنه لما كان متعودا على التواني والتأخر فهو يتوانى حتى عن الوصول إلى الصلاة وربما فاته أكثرها أو فاتته كاملة!. فرط حتى فقد الثواب، لكنه في موارد أخر قد يفرط حتى يأثم عندما تفوته الواجبات كصلاة الفجر. فهو يجعل المنبه على ما قبل طلوع الشمس بدقائق، حتى إذا رن جرسه على ذلك الوقت توانى عن الاستيقاظ بزعم أنه سينهض بعد قليل وهكذا يفرط حتى يأثم بتأخيره صلاته إلى ما بعد طلوع الشمس! وفيما مر من الصفحات تناولنا جانبا من كسل المرء في أمور معاشه وحياته الاقتصادية، ونتناول في هذه ما يرتبط بالكسل في المجال العلمي. ما هو الأسوأ من الكسل هو التبرير الذي يسوقه هؤلاء لحالتهم! وهو عندما يقول: أنا هكذا، طبيعتي على هذا النحو! شخصيتي هكذا. كلا! ليس هذا صحيحا. لم تكن شخصيتك هكذا، بل هكذا أردت لشخصيتك أن تكون. وإلا فإن الله لم يخلقك كسولًا وخلق غيرك نشيطًا! أردت الكسل فصار وضعك هكذا. ولو أردت النشاط لتغيرت طبيعتك. لو عودت نفسك على الحركة والنشاط لاعتادت عليها. ولو تعودت على القيام فجرًا، والذهاب باكرًا إلى العمل أو العلم. لصار برنامج حياتك هكذا. لكنك لم ترد ذلك. وبشكل عام فإن من أسوء التبريرات أن يعتمد شخص على قوله: أنا طبيعتي هكذا! ويتخذ هذا مبررا له في وقت الغضب لأنه طبيعته كما يقول إنه إذا انتقد أحد تصرفه أن يغضب! أو إذا تأخر عليه يشتم! أو إذا جاع يصرخ على غيره! أو ما شابه.. التبرير لكل هذه الأخطاء بأن طبيعته هكذا قد يكون أسوء من الفعل السيء نفسه. وذلك لأن التبرير ينبئ عن كونه متعايشًا مع الخطأ وقابلًا به، ويراه طبيعيًا! وهذا من معاني (كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفًا)! ويستبطن أنه لا ينوي تغيير هذه (الطبيعة) ولا إعادة النظر فيها إنه لا يبرر لها كخطأ وقع فيه وإنما يبرر بها سائر الأخطاء! لا بد من فضح هذا التبرير السقيم وعدم القبول به أبدا. كيف صارت طبيعتك هكذا مع أن أخاك وشقيق نفسك ومن تربيت معه في بيت واحد وبيئة واحدة، نشط وسباق في مجالات العلم والعمل والرزق؟ هل عندما عجنت طينتك وضع فيها محلول الكسل والتواني والتضييع؟ إن نظرة في حياة العلماء العظماء لتشير بوضوح إلى أن هؤلاء لم يكونوا أصحاب ذكاء خارق بالضرورة وإنما كانوا نشطين في طلب العلم، تاركين للكسل وعوامله. ذلك أنه حتى أصحاب الذكاء الخارق إذا كانوا كسالى لا ينفعهم ذكاؤهم ذاك في صنع شيء مهم، بخلاف ما إذا كانوا نشطين رافضين للكسل فإن ذلك النشاط يوصله إلى مبتغاه حتى لو لم يكن ذكيا بشكل كبير.