فوزي آل سيف

15

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

يستقرضهم بعضها ثم يرد لهم ما استقرضه ـ منهم وهو في الأصل من عطائه إياهم ـ لا بالمقدار الذي تم اقتراضه وإنما أضعافًا كثيرة! ومن هنا نعرف كم يكون العبد جاحدًا لربه عندما يتخلف عن العبادات المالية، فإنه كما ذكرنا مع أن الله سبحانه هو الذي أعطى عبده ورزقه من غير استحقاق بل ومن غير طلب أو بعد الطلب ثم استقرضه بعض ما رزقه واعدا إياه بالأضعاف الكثيرة في الدنيا والآخرة!! ولكن العبد يأبى ذلك ولا يقبله كما اشار إليه الامام السجاد في دعاء أبي حمزة الثمالي (وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي، وَإِنْ كُنْتُ بَخِيلًا حِينَ يَسْتَقْرِضُنِي)[23]وأوضح منه ما في تتمة[24] دعاء الامام الحسين عليه السلام في يوم عرفة (وَاَنْتَ الْوَهّابُ ثُمَّ لِما وَهَبْتَ لَنا مِنَ الْمُسْتَقْرِضينَ).. ولو أردنا أن نمثل بمثال يتبين فيه مقدار الجحود، لقلنا إن شخصًا قد بادر وأعطاك مبلغًا ضخمًا من المال مع أنه كان بإمكانه ألّا يفعل، وفي اليوم التالي لذلك العطاء حصلت له حاجة، فجاء يستقرض مما أعطاك 3% على أن يؤديها لك بعشرة أضعافها، فإذا بك ترفض إقراضه من المال الذي منحه لك مجانا مع حاجته له واستغنائك عن ذلك المقدار! ألا يعد هذا من أظهر أنحاء الجحود وقلة الأخلاق؟ ربنا سبحانه وتعالى ابتدأنا بالنعم، وأولها نعمة الوجود بعد أن لم نكن (شَيْئًا مَذْكُورًا) فلما أوجدنا عطف علينا قلوب الحواضن وكفّلنا الأمهات الرواحم، وكلأنا من طوارق الجان، وسلمنا من الزيادة والنقصان، ثم رزقنا بأنواع المعاش وصنوف الرياش[25]وواتر علينا النعم، وسخر لنا الفلك تجري في البحر بأمره وسخر لنا الأنهار، وسخر الشمس والقمر دائبين وسخر الليل والنهار، بل آتانا من كل ما سألناه[26]! ها هو ربنا سبحانه يقترض منا! لصالح عباده الآخرين بعض ما أعطانا إياه، مع أنه تعالى وعدنا وهو(لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)[27]. بأنه يخلفه في هذه الدنيا (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ)، وأضعافا كثيرة في الآخرة (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً)، ولكن البخيل منا يأبى ذلك ويرفض! ولذلك ـ وكما ذكرنا في صفحات سابقة ـ من لم يؤد ما افترض الله عليه من فرائض المال من أوضح مصاديق البخيل بل الشحيح! ففي الحديث عن زرارة، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: "إِنَّمَا الشَّحِيحُ مَنْ مَنَعَ حَقَّ اللهِ وَأَنْفَقَ فِي غَيْرِ حَقِّ اللهِ". ويمثل بعض التربويين العلاقة بين العبد البخيل وبين خالقه بهذا المثال. يقول: إنه كان صاحب مال وفير عزم على سفر يطول، ولديه بالإضافة إلى عياله عبد أراد أن يوكله في أموره حين سفره الطويل، فجاء إليه ووهبه كل ثروته وكانت عظيمة، بشرط أن ينفق 80% منها على عياله، وللعبد 20%، فرآها العبد شيئا كبيرا جدا! وقبل على الفور، ثم انطلق التاجر للسفر وقبل أن يجد به السير، فكر قائلا لعل العبد يستقل المبلغ، فرجع وقال له: لك 40% من كل ثروتي هذه لكن أنفق منها 60% على عيالي! فاستعظم العبد هذا المبلغ، ولكن التاجر أصر عليه، وهكذا انطلق للسفر، ولكنه عاد ليخبره أن له 60% شريطة أن ينفق

--> 23 لقمي ؛ الشيخ عباس: مفاتيح الجنان ) 24 ) هناك نقاش في أن تكون الفقرة التي ذكرها السيد ابن طاووس الحسني بعد الدعاء المعروف هي جزء منه أو أنها ليست جزءا، وإنما أضيفت إليه وأنها للشيخ الصوفي عطاء الله الاسكندري المتوفى سنة 706 هـ ولتحقيق الأمر يراجع سلسلة حلقاتنا في شرح دعاء الامام الحسين عليه السلام في يوم عرفة. 25 ) لتفصيل هذه النعم ومراحلها يراجع دعاء الامام الحسين عليه السلام في يوم عرفة. 26 (ابراهيم/ 32ـ 34 (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) 27 آل عمران: 9