فوزي آل سيف
146
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
صرفه عليهم.. والمعلم يظلم الطالب عنده ويهدده بأنك إن أخبرت أحدًا، سترجع علامتك إلى نصف الدرجة!. وهذا النمط من الناس، عندما يُرفع أمره إلى جهة أقوى منه وأقدر، تراه، يخنع ويركع، ويصبح أذل من الذليل. فهو يعنف أسرته بالضرب، فإذا أخبرت عنه جهة رسمية تهتم بالحماية الأسرية تراه يأتيهم خاضعًا خانعًا. إن شعور هؤلاء بالقوة، وأنه لا أحد يستطيع أن يقف أمامهم يصنع حالة الطغيان عندهم، وهذا كما يصدق على رب الأسرة، ورب العمل، يصدق على الحاكمين. سلوبودان براليك؛ قائد عسكري كرواتي حوكم في محمكة الجنايات الدولية، على جرائم ارتكبها ضد المسلمين البوسنيين في الحرب الكرواتية الصربية البوسنية، ولما أحس بأنه سيدان تناول السم في المحكمة وأنهى حياته! فهو عندما كان صاحب القدرة والقوة، لم يكن يرتدع عن ارتكاب الجرائم ولكنه لما أصبح أمام قوة أكبر منه، وقانون قادر على تنفيذ ارادته فيه، انتهى ذلك الشجاع القوي إلى ضعيف منهزم يرى أن حياته لا تستحق شيئا فينتحر! إنهم يرون أنفسهم أقوياء وضحاياهم ضعفاء غير قادرين على المواجهة والمقاومة، فيظلمونهم.. من هنا ورد في الأحاديث التذكير بقدرة الله تعالى على الظالم حين يظلم، لا أن يفكر في ضعف المظلوم (إذا ذكرت مقدرتك على الناس فاذكر مقدرة اللَّه جل وعز عليك غدًا ونفاد ما أتيت إليهم عنهم وبقاء ما أتيت إليهم عليك).[331]كما عن الامام موسى بن جعفر عليه السلام. ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: " للظالم البادي غدا بكفه عَضَّة"[332]. 3/ ومن أسباب الظلم الشعور باللذة والانتعاش في إيذاء الغير وظلمهم، وهي أشبه شيء بالحالة السادية[333] في ما يصنفه علماء النفس والسلوك من أنحاء الاضطرابات النفسية. وهذا وإن كان أصله في الموضوع الجنسي إلا أن البعض لديهم هذا الاضطراب النفسي في عموم حياتهم، فتراهم يرتاحون كثيرا عندما يؤذون غيرهم، ويضطهدونهم، ويستشعر أحدهم اللذة عندما يرى غيره ذليلا بين يديه يستعطفه ويتوسل إليه، ويسكر بهذه الخمر حتى الثمالة! إن النفوس الطبيعية هي التي تحب للآخرين ما تحبه لنفسها، والنفوس الأسمى هي التي تسعى لتصنع الخير للغير وتعينها على أن تكون بوضع أفضل وتشعر براحة ما بعدها راحة حين تسعف إنسانًا أو تغيث مكروبًا أو تشبع جائعًا.. لكن هذا القسم الذي نتحدث عنه منتكس تمامًا، لذته هي في أذى غيره، يسعى
--> 331 الفيض الكاشاني ؛ محسن: الوافي 17 / 166 332 الامام علي ؛ نهج البلاغة 4/ 43 333 (نسبة إلى فرانسوا دي ساد الروائي الفرنسي ت 1814 م الذي كان أبطال رواياته في هذا المنحى، ويرى بعض الباحثين أنه كان يعبر عن نفسه فيها، وأنه كان لديه هذا الانحراف النفسي. فكان لا يستمتع بالجنس؛ إلا بضرب شريكته ضربًا شديدًا إلى أن تدمى. أي لا بد أن تسيل منها الدماء حتى يرتاح، يستمتع، أي تصيبه النشوة في الجنس بهذه الطريقة. هو انحراف جنسي، وموجود إلى الآن، ويصاب به بعض الناس. فأحيانًا هذا يخرج من الحالة الجنسية إلى عموم الحياة عند قسم من الناس.