فوزي آل سيف

147

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

شهورًا لإخراج رجل من عمله بل وحتى توريطه في سجن لو استطاع! ويرتاح عندما يعمل على إفلاس شخص ويراه قد انتكست أموره! أو حتى أصيب على أثر ذلك بجلطة قلبية! هذه من السادية في الحالة العامة إن صح التعبير عنها. ولكي تقمع هذه الخصلة السيئة فقد تم التحذير من التعرض لدعوة المظلوم، لكيلا يستمرئ البعض ظلمه للضعفاء ويستريح إلى صوت عظامهم تتحطم! فإن المظلوم له دعوة مجابة؛ ففي الحديث، عن نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله (اتَّقُوْا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الغَمَامِ فَإِنَّمَا يَسْأَلُ اللهَ حَقَّهُ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَمْنَعْ ذَا حَقٍّ حَقَّهُ).[334] ولعل قائلا يقول: إذا كان كذلك فلماذا لا نرى انتقام الله للمظلوم من ظالمه؟ ونصره المظلوم؟ والجواب عنه: ما يدريك أن الله لم ينتقم من الظالم؟ أنت تقول وأنت صادق: لم نرَ انتقام الله! لكن لا تستطيع القول لم ينتقم الله منه! هل ذهبت له وقت نومه لترى كم يتعذب؟ وهل نظرت إلى كوابيسه التي تنكد عليه تلك الساعات؟ بينما المظلوم نائم ملء عينيه، ذاك يعاني قلق الضمير وعذاب الروح والخوف! إن ما تسرب من القليل عن الظلمة[335]والطواغيت ليشير إلى ما يحصل للباقي منهم! بالطبع ليس من مصلحتهم ولا من الطبيعي أن يخبر هؤلاء عن عذابهم وما يحصل لهم بسبب مظالمهم ودعاء المظلومين عليهم. وثاني نصر الله للمظلوم: أن ترى الظالم يعمل فيك بمعاصي الله عز وجل. فالظالم ماذا يفعل؟ يسلبك مالك، أو يؤذيك! هذه كلها سيئات، وعقاب مجتمِع محمول على ظهره، وفي الآخرة تعلم ما يصنع الله به. وثالث الأمور: أن يخبو ويخمد ذكر الظلمة، ويتنكر لهم بحيث لا يوجد سويُّ عقل من البشر يتشرف بالانتماء إلى الظالم. كأن يقول: أنا ابن يزيد بن معاوية، ويرفع رأسه شامخا! لكن الملايين من البشر يفتخرون قائلين: نحن أبناء الحسين! وهذه هي الحياة الحقيقية والاستمرار والبقاء. أما الظالم فلا يبقى سوى مدة عمره لتلاحقه اللعنات والبراءة من أفعاله حتى من أهله وأقاربه ونسله. أليس هذا نصرا للمظلوم؟ وأما ما تجرعه المظلوم من كأس مصبّرة من الأذى والعذاب فلا يبتئس فإن (يَوْمُ العَدْلِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الجَوْرِ عَلَى المَظْلُومِ)[336]وشتان بين يوم ينتهي بأربع وعشرين ساعة، وبين آخر (عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)[337]فليحذر كل ظالم ـ بمن فيهم ظالمو أسرهم وموظفيهم وجيرانهم وأولادهم أو والديهم ـ ذلك اليوم الذي يقف فيه بين يدي الله عز وجل، الذي تهدد الظلمة صريحا (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ* مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ).[338]

--> 334 ) الطبراني؛ الحافظ سليمان: المعجم الكبير 4/ 84 335 الدمشقي؛ ابن كثير: البداية والنهاية ط احياء التراث 9 / 115:..أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَهُوَ يُرِيدُ الرُّكُوبَ وَقَدْ وَضَعَ إحدى رجليه في الغرز، فقال: والله أَرْكَبُ حَتَّى تَتَبَوَّأَ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ، اضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ قَالَ: وَالْتَبَسَ الْحَجَّاجُ فِي عَقْلِهِ مَكَانَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: قُيُودَنَا قُيُودَنَا، فَظَنُّوا أَنَّهُ يُرِيدُ الْقُيُودَ الَّتِي عَلَى سَعِيدٍ، فَقَطَعُوا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَأَخَذُوا الْقُيُودَ.. فَلَمْ يَلْبَثِ الْحَجَّاجُ بعده إلا أربعين يوماً، وكان إِذَا نَامَ يَرَاهُ فِي الْمَنَامِ يَأْخُذُ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ وَيَقُولُ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ فِيمَ قَتَلْتَنِي؟ فيقول الحجاج: مالي ولسعيد بن جبير، مالي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؟ 336 ) البروجردي ؛ السيد حسين: جامع أحاديث الشيعة: 13/ 412 عن أمير المؤمنين عليه السلام 337 ) الحج: 47 338 ) ابراهيم: 42ـ 43