فوزي آل سيف
145
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
المشكلة أن الظالم وهو يظلم غيره يرى الأمر طبيعيًا، فإنه الأفضل والأحسن والأحق بالحياة وإمكاناتها! ويرى نفسه أولى بالخير من غيره. ولو استغربت من هذا فلك أن تمتحن نفسك لترى كم هو المقياس عندك وهل هو مختل أو متعادل: أنا وأنت نقود السيارة، فنريد الطريق أمامنا خاليًا ليكون سيرنا منسابًا، فإذا عبر المشاة أمامي تذمرت من ذلك قائلا إن المشاة يفسدون النظام، ماذا يضرهم لو تأخروا لدقيقة حتى تعبر السيارات؟ أما في اليوم الثاني فينعكس الموضوع، وأكون من المشاة ويقود أحدهم سيارته في نفس المشهد الذي كنت فيه بالأمس قائدًا! ويريد قائد السيارة أن يمر بها فأتبرم منه قائلا: ما لهؤلاء السائقين؟ ماذا يضرهم لو تأخروا دقيقة حتى نمر نحن المشاة؟ لماذا لا يسمحون لنا بالمرور؟ هنا جعلنا أنفسنا المحور.. فإذا كنا مشاة فالمفروض أن تتقدم حقوق المشاة! وإذا كنا سائقين فحق السائقين! ومثال آخر: حين نكون في صف الانتظار (لاين كما يقال) في المخبز أو الدائرة الحكومية أو غيرها، ويأتي شخص من نهاية الصف ليتقدم على الآخرين.. هو يفكر أنه لن يضرهم لو تقدم شخص واحد فالمسألة لا تستغرق سوى دقائق! خاصة وأنه في عجلة من أمره ولديه ظرف خاص! فيتعجب ممن يعترض على تقدمه في الصف وربما تبادل الشتائم معهم.. وفي اليوم الثاني: ينعكس الموضوع، هو في المقدمة بحسب تبكيره في المجيء للصف، فيأتي أحدهم من آخر الصف ويتقدم على الجميع ليصبح الأول، فلا يقبل منه! ويصرخ في وجهه ألا تعرف النظام؟ ألست متحضرًا؟ لماذا تأخذ حق غيرك! اذهب وقف آخر الصف!. يقال له: لماذا لم تقل هذا الكلام لنفسك بالأمس؟ ولماذا عندما تجاوزت الصف، وتخطيت من كان منتظرًا، لم تقل: أن الناس أيضًا لديهم التزامات، لم تقل: أن الالتزام بالنظام حالة حضارية؟ لكن لما تجاوزوا عليك، قلت هذا كله.. معنى هذا: أنه يجعل نفسه المحور. فإذا كان غنيًا يلوم الفقراء، وأنهم تنابلة ويكون الواحد منهم كَلّا على الناس، وعالة عليهم.! فنحن لم نحصل على هذه الأموال إلا بعرق جبيننا. أنت أيضًا اذهب واعمل، لتحصل عليها. ثم تدور الدائرة ويصبح هو الفقير، فيرى الغني - مثلا - لا يعطيه العطاء الذي يطمح، فينتقده بأن هؤلاء البشر هم الذين يكنزون الذهب والفضة! فلمن يخزن هذه الأموال، وهي في يوم القيامة، وبال عليه؟ وماذا يضره لو أعطي كل فقير ألف ريال! كذلك يقال له: لماذا لم تقل هذا الكلام في الماضي، وقلته اليوم؟ عندما كنت غنيًا، كان همك مهاجمة الفقير فلما صرت فقيرًا، عدت تهاجم الغني! كل هذه التحولات يختصرها شيء واحد؛ هو: أنا المحور، لعل هذا يفسر لنا ما ورد في أحاديث من؛ أن حب الدنيا رأس كل خطيئة.. فهل يعني حب الدنيا: حب الشارع أو حب الأشجار؟ أو هو حب البحر؟ كلا بل إن معناه: أني أحب ذاتي، وأحب أن تكون هذه الأشياء لي وأسر بالنظر لها.. وحب الذات هذا إذا لم يسيطر عليه الإنسان؛ في حدوده يكون مقدمة لظلم الآخرين.. 2/ من الأسباب: الشعور بالقوة وأنه فوق الحساب والعقوبة: فإذا كان في بيته فهو السيد الذي يضرب هذه الزوجة ويعاقب الأولاد، ولا تستطيع أن ترد عليه خوفا من الطلاق أو أن يعاقبوه خوفا من انقطاع