فوزي آل سيف
144
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
لماذا يظلمون غيرهم؟ روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنه قال: "اتَّقُوْا دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الغَمَامِ، يَقُولُ اللهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِين".[324] وفي حديث مروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: "اتَّقُوْا دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ يَسْأَلُ اللهَ حَقَّهُ، واللهُ سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَقًّا إِلَّا أَجَابَ"[325]. لماذا يقوم إنسان بظلم آخر؟ الأسباب متعددة، إلا أننا نتناول ما هو قريب منا في الحالة الاجتماعية؛ لكي نتجنب تلك الأسباب. 1/ فمن تلك الأسباب: أن الإنسان الظالم لغيره يرى نفسه المحور، ويرى ذاته الأفضل، إنه يلاحظ أن تحصيل الأشياء لنفسه، وسلبها من الآخرين، ولو كان من غير حق، أمرا طبيعيا؛ لأنه يرى نفسه ذات أهمية. إن غريزة حب الذات موجودة في كل مخلوق، لكن هذا المخلوق يحب ذاته، ويرى لنفسه التقدم على غيره والفضل عليهم فلا يمكن أن يساويه أحد في زعمه! ولعله لهذا السبب جاءت التعاليم الدينية أولا لكي تفهم البشر أنهم جميعا (عباد الله) وأنهم لا يتقدم أحدهم على الآخر بذاته وإنما بعمله وكسبه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).[326] في المقابل حاول البشر أن يجعلوا لأنفسهم مبررات تبيح لهم ظلم غيرهم، تارة على أساس عنصري وأخرى على أساس ديني وهكذا فاليهود - مثلا – اعتقدوا بحسب تعاليمهم المحرفة بأنهم أفضل من سائر البشر، لماذا؟ لأنهم أبناء الله، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)،[327]فإذا كان أحدهم ابن الله، وحبيبه فمن الطبيعي أن يكون أفضل من غيره ممن ليس ابنا لله ولا حبيبا له. ويترتب على هذا أن يعتقدوا أن من كان من غير أبناء الله، إنما خلقوا لخدمة أبناء الله. وأنه لو أخذ أبناء الله أموال الغرباء عن الله والبعداء عنه ولم يؤدوا إليهم ديونهم فـ (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ).[328] نعم عندما تتجسد صفات الخير والفضيلة في فئة من الناس فبمقدار ما تكون حاملة لتلك الصفات تفضل غيرها، ولذلك فإن ما ورد في تفضيل أمة الإسلام، فليس لأن اسماءها فلان وفلان أو لأن قبائلها كذا أو لأن منطقتها الجغرافية.. وإنما (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) والسبب هو (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)[329]ولذلك لو فرضنا أن هذه الأمة تركت تلك الصفات أو أن جيلا منها تركها في وقت من الأوقات ما هي النتيجة؟ (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ).[330]
--> 324 الطبراني ؛ الحافظ سليمان: المعجم الكبير 4/ 84 325 النجفي ؛ الشيخ هادي: موسوعة أحاديث أهل البيت 6/356 326 الحجرات: 13 327 المائدة: 18 328 آل عمران: 75 329 آل عمران: 110 330 محمد : 38