فوزي آل سيف
14
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
لَكَ وَلِعِيَالِكَ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}.[21] فما أبعد ما بين السعيين! وما أشد فرق الشخصيتين! الأول الذي ينتزع التمرة من فم طفل فقير ويستخرجها من أعماقه! وهو مستغن عنها.. ولا يثق بوعد رسول الله إياه أن يعطيه الجنة بتلك النخلة المائلة! فلا يرى الجنة ثمنا لها أو لا يثق بوعد النبي ويكذب بالحسنى.. لكنه يثق بالمال الدنيوي الحاضر والنخلات الأربعين! والثاني الذي هو أجنبي عن القضية! لكنه بعدما سمع القصة ورق قلبه للفقير وأولاده وسمع النبي يعده بالجنة لو أعطى تلك النخلة، فذهب يشتري النخلة ليعطيها للفقير وأولاده، ومع عظم الثمن لجشع مالك النخلة حيث بلغ أربعين ضعفا وهذا يكشف عن نفسية جشعة حريصة على الجمع بقدر ما كانت بخيلة شحيحة على الغير! لكن هذا الذي يصدق بالحسنى والجنة، ويثق بوعد النبي محمد صلى الله عليه وآله يقدم على هذه الصفقة ويراها رابحة له، ما دامت ستجلب له الجنة، وستجعل هذه العائلة تشبع من تمر النخلة تلك. هما عقليتان: عقلية: وما عاقل باع الوجود بدين، والتي أوردت عمر بن سعد مهلكته في إقدامه على قتال الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء طمعا في ملك الري الذي كان أمنيته الدنيوية، في مقابل عذاب الآخرة! وعقلية: أعطى واتقى وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى! ويقدم القرآن هذين النموذجين بعنوان عريض: إن سعيكم لشتى ـ يعني مختلف ـ وإنما المدار هو على السعي والموقف والعمل لا الادعاء، فإن كلا الطرفين في الحادثة كان عنوانهما العام أنهما مسلمان وممن عاصر النبي صلى الله عليه وآله، ولكن السعي مختلف والموقف متفاوت، ما بين بخيل لا يثق بوعد النبي ولا ينتظر الآخرة وثوابها وبين آخر يعطي ويتقي ويصدق بالحسنى! هل أنا أو أنت عزيزيّ القارئ والقارئة، من الصنف الأول أو الثاني؟ هل أصدق بالحسنى وبما وعد الله سبحانه سواء كانت الدعوة في أمر عبادي بدني كالصلاة والصوم أو في شأن عبادي مالي كالزكاة والانفاق؟ إن الله سبحانه وتعالى وهو الغني الذي يرزق عباده لا يحتاج إلى المال، حتى تعطيه! ولكن العطاء لأخيك المؤمن ـ في سبيل الله ـ هو امتحان واختبار! والطريف أن القرآن الكريم يعبر عن تلك العملية بالإقراض حيث أن المقرض ينتظر عودة ما أقرضه، والمقترض يرى نفسه مطالَبا بإعادة ما اقترضه للمقرض! هذا مع أن كل شيء هو من الله تعالى ومن عطاياه!: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً)[22] وإذا كان الربا في القرض ما بين البشر محرمًا، فإن الله سبحانه كتب على نفسه أن يعيد لمن (يقرضه) العطاء أضعافا كثيرة! وسبحان الله فإن الله يعطي البشر وينعم عليهم ثم
--> 21 )الواحدي ؛ علي بن أحمد: أسباب النزول 1/ 456 22 البقرة: 245