فوزي آل سيف

118

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

كثرة الشك في الأمور العبادية: قد سبق أن ذكرنا أن الدين لا يعطي الشك قيمة إيجابية، وإنما يعطي لليقين القيمة المهمة، لا سيما في أمور العقائد والايمان، فإن آيات القرآن الكريم تشير إلى اليقين وأصحابه بعين الاجلال والاحترام،[262]وفي مقابل ذلك تنعت أهل الشك في عقائد الايمان بمن في قلوبهم مرض تارة، وزيغ أخرى وتشير إليهم اشارات ناقدة. ولا يختلف الحال في الأفعال العبادية عنه في الأمور العقائدية، فقد أراد الدين من الإنسان أيضًا أن يؤدي عمله العبادي وهو على اطمئنان قدر الإمكان. وألّا يعيش حالة التشكيك والتردد. بل حتى في الحياة العامة، جاءت وصايا الدين على ترك التردد والتشكيك، وأن الإنسان إذا أراد أن يقدم على شيء، فليدرسه ويتأمل فيه، ثم ليقدم عليه ولا تلتفت إلى جهات التردد. وعلى فرض أنه ما انتهى فيه إلى نتيجة جازمة، فليستشر أهل الرأي والحكمة، ويعمل برأيهم ولا يتردد. وعلى فرض اختلافهم في التقدير والرأي، وعدم الوصول إلى نتيجة موحدة، حتى هنا يقول لك الدين، لا تبق مترددا! اذهب واعمل بالاستخارة! فالبقاء مع التردد يعني اللا قرار وهو يعطل حركة الإنسان هذا بالنسبة إلى الحياة العامة. والغرض مما سبق أن نؤكد على أن الدين يريد اخراج الإنسان من حالة الشك والقلق والتردد، والمصير به قدر الامكان إلى حالة اليقين أو على الأقل الاطمئنان، وأدنى الدرجات أن يوجد له طريقًا عمليًا ووظيفة مشروعة في وقت الشك والتردد. وفيما يرتبط بالأعمال العبادية، قد تعرض صفة الشك، باعتبار أن العبادة تتكون من أعمال سواء كانت مستقلة كالوضوء أو غير مستقلة كالركوع في الصلاة والسجود فيها.. وأمثال ذلك. وهذه كلها من الممكن أن يطرأ على العامل بها شك أو ترديد. وينقسم الناس بحسب ضعف وشدة الشك إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: أصحاب الشك المتعارف والاعتيادي، حيث يعرض عليهم في بعض الأعمال شك أو ترديد لكن الصورة العامة لهم أن أعمالهم خالية من الترديد والشك. الثاني: المبتلى بكثرة الشك في خصوص الصلاة ويسمى كثير الشك. والثالث: الوسواسي والذي يشك في كل الأمور العبادية التي ينشغل بها. والقسم الأول: قد لا يخلو منه أحد من الناس، ولو في بعض الفترات أو الأعمال، وذلك راجع غالبًا إلى أن ذهن الإنسان لا ينشغل في أمور متعددة في وقت واحد إلا غفل عن بعضها ولعل الآية المباركة (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)[263] ناظرة إليه. وهذا من علائم عجز الإنسان ونقصه من جهة وعظمة الله عز وجل وقدرته من جهة أخرى!

--> 262 آيات تشير إلى احترام اليقين والمستيقنين ذكر بعضهم أن لفظة اليقين وردت في القرآن الكريم ثلاث وعشرين مرة بصِيغ مختلفة، منها (هَٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿٢٠ الجاثية﴾ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴿٢٤ السجدة﴾، (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴿٧٥ الأنعام﴾ وفي الروايات ما عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ألَا إنّ النّاسَ لَم يُؤتَوا في الدُّنيا شَيئاً خَيراً مِن اليَقين والعافِيَة فاسألُوهُما اللهَ. 263 الأحزاب: 4