فوزي آل سيف

119

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

فلو نظرنا إلى عظمة الله عز وجل وكبير قدرته، وأنه يدبر تريليونات المخلوقات في وقت واحد، ولا يشغله شأن عن شأن. (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ)[264] فـ (مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)[265]. كل هذا بل (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)[266]. وأما هذا الإنسان؛ أنا وأنت قد نفكر في ثلاثة أشياء في وقت واحد، فنضيع منها اثنين ويبقى واحد في الذهن. ونلاحظ أنه في الصلاة بمجرد أن نتذكر موضوعًا في أذهاننا ونفكر فيه كموقف حدث مع الزوجة أو الأولاد أو في العمل فلوهلة يفكر فيه المصلي، فإذا به يضيع في أي ركعة هو؟ ذلك أنه (ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ). ومن هنا يتطرق الشك إلى الإنسان في عباداته، ولقد أصبح الأمر واضحا هذه الأيام، فإن الاحصائيات تتحدث عن أن نسبة لا تقل عن 40% من حوادث السيارات هي على أثر الانشغال بالهاتف النقال (الجوال) إن معنى ذلك أن الذهن حين انشغل بالجوال لم يستطع أن يلاحظ ما حوله فيحصل الحادث.. الأمر الذي دعا المؤسسات المرورية إلى منع استعماله أثناء القيادة إلا بكيفية خاصة! هذا مثال عرفي توضيحي عن انشغال الذهن وكيف يؤثر ذلك عليه في الغفلة عن أمور أخر. فيكون هذا من مناشئ الابتلاء بالشك: ذلك أنه من جهة لا يستطيع أن يحبس فكره عن الانتقال وذهنه عن التخيل والتفكير، ومن جهة أخرى لا يستطيع أن يجمع بين الفكر في الصلاة وأفعالها والتوجه إليها كاملا، بين انتقال فكره وذهنه إلى أشياء مختلفة.. فيحصل أن يشك المصلي أو القائم بالعمل العبادي في أطراف هذا العمل وصحته! وفي هذا المجال فقد قرر الشرع عددا من الأحكام والتشريعات تتلافى بقاء الشك وفساد العمل به: – أول تلك الأحكام: إذا كنت في لا تزال في محل الفعل المشكوك ولم تتجاوزه بعد، يقول لك: ائت به!. مثلا لو كنت بعدما كبَّرت، لا تزال واقفا ولا تدري هل أتيت بسورة الفاتحة أو لا؟! فإنك لا تزال في المحل، يوجب عليك الشرع أن تأتي به بهذا الفعل المشكوك، لأنك لا زلت في المحل، فتأتي بذلك الجزء المشكوك فيه. وذلك لأن استصحاب[267]عدم الاتيان بالفعل، ينبئك بأن الفعل لم يتم الاتيان به. فيترتب عليك الاتيان به وفعله. لكنك لو تجاوزت محله بأن ذهبت للركوع في المثال المتقدم، وقد شككت في أنك هل أتيت بالفاتحة أم لا؟ هنا يقول لك الحكم الشرعي: لقد تجاوزت محل التدارك، فلا تعتنِ بذلك الشك. فإنك لو رجعت وأتيت بالفاتحة ثم ركعت من جديد لزدت ركوعًا تعمدًا وهو مبطل للصلاة. أو أتيت بالفاتحة وهويت إلى السجود فلم تأت بها في موضعها! كل ذلك والحال أنك إنما كنت شاكًّا فلا تعتن بهذا الشك مع تجاوزك للمحل.

--> 264 يونس: 31 265 هود: 6 266 فاطر: 11 267 ) الاستصحاب: عرف بتعاريف كثيرة قد يكون اوضحها الحكم ببقاء الحالة السابقة وترتيب الآثار الشرعية عليها كما لو كانت موجودة فعلا.. فلو كانت الحالة السابقة هي الطهارة وشك في حدوث النجاسة فإنه يبني على بقاء الطهارة ولا يلتفت الى الشك الحادث. وفي مثالنا في المتن فإن الحالة السابقة كانت عدم الاتيان بالفعل وهو يشك الآن في الاتيان به ويبني على بقاء الحالة السابقة وهي عدم الاتيان.