فوزي آل سيف

106

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

الشك في أقسامه والموقف منه عن أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام أنه قال: "عَلَيكَ بِلُزُومِ اليَقِين، وَتَجَنُّبِ الشَّكِ، فَلَيسَ لِلْمَرْءِ شَيْءٌ أَهْلَكَ لِدِينِهِ مِنْ غَلَبَةِ الشَّكِ عَلَى يَقِينِهِ".[233] توصية الإمام عليه السلام بأن يتجنب الإنسان الشك ويلزم اليقين هي بمعنى: السعي وراء مقدمات اليقين، وتجنب مقدمات الشك. وإلا فإن الإنسان لا يسيطر على شكه بحيث يمنعه من الحدوث. وهذا الاستعمال عرفي ومتداول فعندما يقال لك: عليك بالسلامة في قيادة السيارة. فالمقصود من ذلك: وفر مقدمات السلامة. فاستخدم مثلا: حزام الأمان، التزم بالإشارات المرورية، لتكن قيادتك في حدود السرعة المعقولة، وهكذا. فعندما تلتزم بهذه المقدمات، ينتج عنها السلامة. كذلك عندما يقول الإمام عليه السلام: الزم اليقين. معنى ذلك: هيىء مقدمات الاستيقان، من الوعي والمعرفة – مثلا – والتركيز والتأمل[234]، وعدم الالتفات لوساوس الشيطان، وما شابه ذلك. وتجنب الشك، يعني: هيىء المقدمات التي تمنع عنك الشك، والتي ترفعه لو حصل![235]عالج ما يصنعه الشك في نفسك. لماذا؟ يقول الإمام عليه السلام: "فَلَيسَ لِلْمَرْءِ شَيْءٌ أَهْلَكَ لِدِينِهِ مِنْ غَلَبَةِ الشَّكِ عَلَى يَقِينِهِ". يعني ليس هناك أمر أكثر إهلاكا للدين كما هو غلبة الشك والظن على اليقين. عندما يفسد يقين الإنسان، قد يبدأ بفساد يقينه بالله عز وجل – مثلا - وأنه على كل شيء قدير، وأنه حلال لكل مشكلة، وأنه رزاق لكل دابة. عندما يفسد يقين الإنسان بهذا المعنى، يقل توكله على ربه، واعتماده عليه، فيلجأ إلى طرق أبواب غير الله عز وجل. يتفرع عليه أنه قد يفسد يقينه بعباداته فيتساءل مشككا ما الداعي إلى هذه العبادة وما هو المبرر لها؟ ها هو أصبح غير واثق من فائدة الصلاة، أو من آثار الصوم والحج، فلا يعود ينبعث إليها ولا يتحرك باتجاهها، "فَلَيسَ لِلْمَرْءِ شَيْءٌ أَهْلَكَ لِدِينِهِ مِنْ غَلَبَةِ الشَّكِ عَلَى يَقِينِهِ". وقد يعرض الشك على العلاقة الزوجية فيفسدها، وهكذا تتوالي مفاسد هذا الشك كما سيأتي في الحديث عنها. فماذا يعني الشك؟ وما حدوده؟ الشك ـ كما قال ابن فارس ـ: (شَكَّ) الشِّينُ وَالْكَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ مُشْتَقٌّ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى التَّدَاخُلِ. مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ شَكَكْتُهُ بِالرُّمْحِ، وَذَلِكَ إِذَا طَعَنْتَهُ فَدَاخَلَ السِّنَانُ جِسْمَهُ. قَالَ فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الْأَصَمِّ ثِيَابَهُ لَيْسَ الْكَرِيمُ عَلَى الْقَنَا بِمُحَرَّمِ

--> 233 الري شهري ؛ محمد: ميزان الحكمة 2 / 1498 234 (قد يكون من ذلك أن الوظيفة المطلوبة في العبادة من الشاك ألّا يرتب أثر الشك بمجرد حصوله، وإنما مع استقراره، والتأمل في أطراف الشك فإذا حصل له ميل لأحد الأطراف وظن به ـ في عدد الركعات ـ يتبعه ويلغي باقي الأطراف، بل وعلى رأيٍ في سائر نواحي الشك غير الركعات. 235 (لعل أحد النتائج التي تحصل من تطبيق القواعد والأصول الجارية في الشكوك هو رفع أثر الشك من الناحية العملية والوظيفية، فالاستصحاب مثلا للحالة السابقة ينهي الأثر العملي من الناحية الشرعي للشك الطارئ عليها، وهكذا قاعدة الفراغ مثلا فإنها تبطل ما يترتب على بقاء الشك في الصلاة السابقة من لزوم فراغ الذمة ولو بإعادة الصلاة، فقاعدة الفراغ تبطل أثر الشك من الناحية العملية، وترتب أثر الصحة على الصلاة السابقة.