فوزي آل سيف
105
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
لا في يوم ولا في شهر، فأراد النبي أن يعطيه قاعدة عامة ووجدانية يميز بها مصاديق الشرور والآثام، فيما لم يكن يعرف حكمه الشرعي المباشر عليه، فأرشده إلى حكم فطرته عليه، وتعامل عقله مع ذلك المصداق، فإذا وجد الأمر طبيعيا سلسا، وأطمأن إليه القلب، ولم تمجّه الفطرة، فليقدم عليه وإلا فإن تلجلج في صدره وحاك في داخله واستيقظت به النفس اللوامة، فليجتنب! وما نحن فيه من الخيانة هو مما يحوك في النفس ولا يطمئن إليه القلب! وإلا لو كان يعلم بحكمه الشرعي، فلا معنى لأن يعرضه على عقله أو نفسه ما دام قد حكم الله عليه بالحرمة فلا معنى لانتظار حكم النفس.. نعم في موارد الاشتباه وعدم تبين الأمر، يستطيع عرضه كما قيل. إن الصدقة على الضعيف لا ريب تختلف في حكم الفطرة عن سرقة مال اليتيم من دون علمه! فالأول منسجم مع الفطرة حتى لو لم تأت الأحاديث باستحبابه، والثاني مستقبح عند العقل حتى لو لم تأت التشريعات بمنعه! ولك أن تضع نفسك مكان من تخونه في ماله! وتخالف الاتفاق بينك وبينه، فلو وضعت نفسك مكان مالك شركة التأمين وفعل معك أحد عملائك ما ستعمله بالنسبة لأخيك هل كنت ترضى بذلك؟ وما عرضه النبي على وابصة، يشبه في نتيجته ما قاله النبي لشاب طلب من النبي أن يأذن له في الزنا.."يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنِ لِي بِالزِّنَا. فَأَقْبَلَ القَوْمُ عَلَيهِ، فَزَجَرُوهُ: مَه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: "ادْنُ"، فلما دنا منه قال له النبي: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟"، قال الشاب: "لَا وَالله"، فقال النبي: "نَعَم، وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِم"، قالَ: «أتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟» قالَ: لا. قالَ: «وكَذَلِكَ النّاسُ لا يُحِبُّونَهُ لِبَناتِهِمْ». قالَ: «أتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟» قالَ: لا. قالَ: «وكَذَلِكَ النّاسُ لا يُحِبُّونَهُ لِأخَواتِهِمْ». فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ: «اللهُمَّ كَفِّرْ ذَنْبَهُ، وطَهِّرْ قَلْبَهْ، وحَصِّنْ فَرْجَهُ»[232]. إن المقصود هنا من النبي أن يثير فيه نداء الفطرة التي تقبح هذا الفعل إذا ارتكب من الأم أو البنت، فإذا كان كذلك فينبغي أن تكره الفعل لو كان في أجنبية عنه، لا أنه لو قال له أرضاه لهن يسمح له! فهل لو كان الشخص منحرفا وقال لا مانع لدي أن يعمل مع أقاربي، هل سيقال له: إذن اذهب وازنِ؟
--> 232 المعجم الكبير للطبراني ٨/١٨٣