فوزي آل سيف

104

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

والتصوير! وتكشفه الشهود المتنوعة والمتعددة.. لست ذكيًا أيها الخائن! بل... لقد كنت مفضوحًا وأعمالك مسجلة بالصوت والصورة وقد حفظت من قريب وبعيد وداخل وخارج، بينما كنت تتصور أنك مخفي مستور! 2/ ومن العوامل المساعدة على تجنب الخيانة؛ أن يتعلم الإنسان الأحكام الشرعية والمسائل الابتلائية التي قد يؤدي الجهل بها إلى خيانات. ذلك أن بعض الخيانات ترتبط بالجهل وعدم المعرفة بالحكم الشرعي، ولعل الشخص لو عرف أن هذا غير مشروع ربما لم يقدم عليه، فقد رأينا أن البعض يقول هكذا: لدي تأمين طبي من جهة عملي، بحيث يوفرون لي كل سنة نظارة مثلا، وتخفيضًا في المستشفى، ولم أستخدم ذلك خلال هذه السنة حيث كنت بصحة جيدة، لكن أخي يحتاج إلى نظارة ورعاية طبية! فأعطيه ورقة التأمين التابعة لي ليتعالج بها! إن مثل هذا لو كان يعلم أن هذا الفعل غير جائز شرعا، ما لم تسمح جهة التأمين به.. ربما كان لا يقدم عليه! استفت قلبك .. هل هي صحيحة؟ ومن المهم الرجوع إلى المجتهدين والفقهاء في معرفة الأحكام، وعدم اعتماد الشخص على فهمه الخاص و(عقله) كما يقول بعضهم أن هذا (بالعقل جائز)! ولا سيما إذا استندوا على فكرة شائعة منسوبة للنبي صلى الله عليه وآله وفهموها بطريقة خاطئة، فإن قسما من الناس يقولون (استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك) يعني خذ بما تراه مناسبًا! ونتوقف قليلا عند هذه الفكرة، والنص، فنقول إن مثل هذا النص لم ينقل في مصادر الامامية، ومن ذكره من الامامية كصاحب الميزان فإنما هو ناقل عن مدرسة الخلفاء، وهو منقول عند الناس مجتزأ ومفهوم بخلاف المراد منه. أما نص الحديث كما ورد في مصادر مدرسة الخلفاء[230] عن وابصة قال: "أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وَأَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَدَعَ شَيئًا مِنَ الِبِّر وَالِإثْمِ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ فقال يَا وَابِصَة، أُخْبِرُكَ عَمَّا جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْهُ، أَمْ تَسْأَلُ؟"، "قَالَ: يَا رَسُولُ اللهِ أَخْبِرْنِي. فَقَالَ: جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الِبِّر وَالإِثْمِ، ثُمَّ جَمَعَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاث، وَأَخَذَ يَنْكُتُ بِهَا فِي صَدْرِي. وَيَقُول: يَا وَاِبصَة، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، الِبُّر مَا اطْمَأَنَّ إِلَيهِ القَلْبُ وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيهِ النَّفْسُ، وَالِإثْمُ مَا حَاكَ فِي القَلْبِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ". وهنا ينبغي أن نشير إلى أن ما استفاده بعضهم من أنه لا داعي إلى التقليد والمرجعية والرجوع إلى العلماء، والحال أن النبي بنفسه قال: "اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَإِنْ اسْتَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ"؟! فإذن، استفت قلبك، لا أن تستفتي الناس والعلماء. هذا المعنى لا ريب أنه غير صحيح، فإنه يتعارض مع (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[231]، ويتعارض مع أن الإنسان يُسأل في يوم القيامة: لمَ لمْ تعمل، فيقال لم أكن أعلم، فيقال له: هلا تعلمت، فيخصمه، وهذا من مصاديق (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) ويتعارض مع حكم العقل برجوع غير العالم إلى العالم.. فإن صح صدور الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فإنه يشير إلى أن وابصة لما كان بصدد أن يسأل النبي صلى الله عليه وآله عن كل مفردات الاثم والشر في الدنيا! وهذا بالطبع لا يتيسر استيعابه

--> 230 كما في سنن الدارمي ومسند أحمد ( 231 النحل: 43