فوزي آل سيف

103

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

هؤلاء رقباء على ابن آدم بعد رقابة الله عليه! وحقيق به بعد شعوره برقابة الله أولًا ثم ملائكته هؤلاء ثانيًا ألّا يذهب وراء مسالك الخيانة. وثالث الرقباء: بيئة المكان: الحجر، والأرض، والسقف، والأثاث وكل شيء حول الإنسان، فهو عندما يعصي ربه ويخون الأمانة، لا يفعلها في الفضاء، بل يقف على الأرض ويقوم بهذا العمل. وينام المنحرف على السرير ويفعل الفعل المحرم. هذه الأرض، وهذا السرير، وذلك الأثاث، وتلك الطاولة.. الزمان والمكان والأشياء كلها تأتي شاهدة يوم القيامة لتشهد عليه بما صنع. هي الآن بيئة لذة، لكنها تصبح يوم القيامة بيئة شهادة عليك وتقديم إفادة. والرقيب الرابع: بدنك فكله يشهد عليك. عضوك الذي تعصي به، لسانك إن تكلمت به في غيبة آخرين أو النميمة عليه أو إثارة الضغينة بينهم؛ يأتي هذا اللسان يوم القيامة ويشهد عليك. ورجلك إن سعيت فيها إلى إحنة أو شحناء أو بغضاء أو إفساد بين مؤمنين، أو تخريب حياة زوجية، أو زنا، أو خمر، أو أو.. سواء مشيت بها أو ركبت سيارة، فهذه الرجل تأتي يوم القيامة وتتكلم. فرجك يشهد عليك، أذنك تشهد عليك، يدك تشهد عليك، لسانك يشهد عليك، جلدك، بشرتك، كل هذه تتحول إلى شهود إثبات لا مجال لتكذيبهم. ومن الطريف أن القرآن الكريم ينقل هذا المشهد المؤثر من مشاهد القيامة: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (*) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (*) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ).[227] ومع أنه ذكر أن الشهود هنا هم السمع والأبصار والجلود، إلا أنه خص الجلود بذكر الحوار بينها وبين أصحابها "وإنما خصوها بالسؤال دون سمعهم وأبصارهم مع اشتراكها في الشهادة لان الجلود شهدت على ما كانت هي بنفسها أسبابًا وآلات مباشرة له بخلاف السمع والأبصار فإنها كسائر الشهداء تشهد بما ارتكبه غيرها وقيل: تخصيص الجلود بالذكر تقريع لهم وزيادة تشنيع وفضاحة وخاصة لو كان المراد بالجلود الفروج "[228] فهذا الجلد الذي أرعاه بالتنظيف، والتغسيل، والعناية و(الكريمات) وغير ذلك، يصبح شاهدًا ضدي، وما كان منتظرًا منه ذلك، لذا نسألها (لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ)، يعني أن ما يربطنا بالله هو فوق ما يربطنا بكم، فأنت تستعمل جلدك لكنك لا تستطيع التحكم فيه بالنطق والصمت! لكن (اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) يفعل ذلك! وبالتالي فقد أفسدت هذه الجلود عليكم (مَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ) كم من الأبواب تغلق والستائر تسدل ولكن هل تستطيع أن تختفي عن جلد بدنك؟ وهو واسطة لذتك؟ هو نفسه الشاهد عليك! بل تسافر إلى البلاد البعيدة لا أحد يعرفك أو يعرفها؟ وشخصيتك مستورة واسمك مجهول.. ولكن هل تستتر من يدك ورجلك وأعضائك الأخرى؟ وفوق ذلك وقبله وبعده وأعظم من كل ذلك "وكُنْتَ أَنْتَ الرَّقيبَ عَلَيَّ مِنْ وَرائِهِمْ، وَالشَّاهِدَ لِما خَفِيَ عَنْهُمْ"[229]. إذا تيقن الإنسان هذا المعنى، واستحضره دائما، خفف هذا من سعيه باتجاه الخيانة أو امتنع منها. سوف يتبين له أنه لم يكن ذكيًا، حيث تصور أنه لا أحد يعلم عنه! كلا إنه تحت المراقبة، وضمن مدى الكاميرات

--> 227 فصلت 20ـ 22 228 ) الميزان 17/ 379 229 ) القمي ؛ الشيخ عباس: مفاتيح الجنان ـ دعاء كميل