فوزي آل سيف

102

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

يعصيه بارتكاب الخيانة الجنسية! وذكر الله هنا، الذكر القلبي، بأن يتذكر الإنسان أنه في محضر الله عز وجل، وتحت إحاطته وعلمه وعينه، وأنه الآن، في هذه اللحظة، ينظر إليه، ويسجل عليه، حال ارتكابه للمعصية. ولذلك جاء في الروايات ألّا تجعل الله أهون الناظرين إليك؛ لأن الإنسان غالبًا لا يعصي أمام الآخرين. هل رأيتم أحدا مثلا يزني في السوق؟! لا يحصل هذا عادة. ولا يسرق أمام الملأ؟ ولكنه في خلواته يقوم بذلك، مع أن الله حينئذ ينظر إليه! فهنا عندما أمارس الذنب ولا أحد معي، ولكني أعلم أن الله ينظر إلي، بينما لا أمارسها في حضور أخي، وابن عمي، وصديقي، فكأنما نظر الله عندي أقل قيمة، وأهون عليَّ من نظر أخي وابن عمي. بينما إذا عظم الإنسان مقام ربه، وأحس برقابته عليه فإنه من الممكن أن يرعوي عن الخيانة. وكان من صفات أولياء الله والمؤمنين به أنهم (إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)،[225]أي ذكروا الله سبحانه وتعالى وتذكروا عينه المحيطة بهم. فخرجوا من عمى الهوى وظلام الشيطان. ينبغي أن يتذكر الإنسان أنه ليس وحده في أي وقت من أوقاته من ليل أو نهار، وإنما معه في بيئة المعصية غيره وإن كان يتصور نفسه وحيدًا منفردًا، بل معه بعد ربه ورقابته عليه، الملكان الكاتبان الموكلان بحساب حسنات وخطايا الإنسان. حيث يعتقد المسلمون أنهما يرافقان الشخص أينما حل وارتحل، ووظيفتهم وظيفة رقابية. وتؤيد ذلك روايات كثيرة، كما ورد هذا المعنى الأدعية أيضًا فنحن نقرأ في دعاء كميل، "وَكُلَّ سَيِّئَةٍ أَمَرْتَ بِإِثْبَاتِهَا الْكِرَامَ الكَاتِبِينَ الَّذِينَ وَكَّلْتَهُم بِحِفْظِ مَا يَكُونُ مِنِّي". بل الوارد في بعضها[226] أنه حتى إذا مات الإنسان يبقيان على قبره إن كان قد أحسن جوارهما وسيرتهما معه، فيستغفران له إلى يوم القيامة. وود الدعاء لهما والصلاة عليهما في جملة الصلاة على الملائكة، فعن الامام زين العابدين في الصحيفة السجادية، نقرأ: "اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَصَلِّ عَلَى جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَصَلِّ عَلَى أَنْبِيَائِكَ المرْسَلِينَ وَصَلِّ اللهُمَّ عَلَى الكِرَامِ الكَاتِبِينَ". وفي دعاء آخر: "اللهُمَّ يَسِّرْ عَلَى الكِرَامِ الكَاتِبِينَ مَؤُونَتَنَا، وَامْلَأْ لَنَا مِنْ حَسَنَاتِنَا صَحَائِفَنَا، وَلَا تُخْزِنَا عِنْدَهُم بِسُوءِ أَعْمَالِنَا". أي لا تجعل وجوهنا سوداء أمامهم من سوء أعمالنا، فهؤلاء هم آخر من يبقون على قبرنا إلى آخر الوقت. أما لو كان لا سمح الله غارقا في وحل الخيانة قد سجلت عليه خياناته. فماذا ينفعه شعور الانتصار الكاذب لبرهة من الزمان، وقد دُوِّن في صحيفة عمله أنه خان هذا في ماله، أو اعتدى على زوجة غيره؟ وقد ثبَّت الكرام الكاتبون هذا في صحيفة عمله. لقد ذهبت لذة دقائق أو ساعات، ومر عليها عشرون سنة، ونسيها هذا الملتذ الخائن، ولكن هؤلاء الكتاب الأمناء الكرام لا ينسون، وقد دونوها في كتاب لا يغادر لا كبيرة ولا صغيرة!

--> 225 الأعراف:201 226 (المجلسي ؛ محمد باقر: بحار الأنوار 6/ 173 ".. فإذا فارقته روحه تبعاه الملكان اللذان كانا موكلين به يبكيان ويترحمان عليه، ويقولان: رحم الله هذا العبد كم أسمعنا الخير، وكم أشهدنا على الصالحات، وقالا: يا ربنا إنا كنا موكلين به وقد نقلته إلى جوارك فما تأمرنا؟ فيقول تعالى: تلزمان قبره وتترحمان عليه وتستغفران له إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أتياه بمركب فأركباه ومشيا بين يديه إلى الجنة وخدماه في الجنة..