فوزي آل سيف
89
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
وقد استضاف جابر بن عبد الله النبي صلى الله عليه وآله أيام حفر الخندق ورأى معجزته ومباركته ذلك الطعام حتى استوعب كل من كان حاضراً في ذلك الوقت، وهم مئات من المسلمين![243] وكما عرف جابرٌ النبي المصطفى صلى الله عليه وآله ومقامه وأعظم منزلته وشأنه فكذلك كان حاله مع وصيه أمير المؤمنين عليه السلام فبالإضافة إلى مشاركته أمير المؤمنين في جميع حروبه، كان يصحر القول بفضائله ومناقبه وكانت أزقة المدينة وحاراتها تعرف لجابر الأنصاري صوته في الحديث عن الإمام علي عليه السلام، وإذا سئل عنه قال:" ذلك والله أمير المؤمنين ومخزي المنافقين وبوار الكافرين وسبب الله على القاسطين والناكثين والمارقين ولقد سمعت بأذني رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي بعدي خير البشر فمن شك فيه فقد كفر "[244] و"كان جابر بن عبد الله الأنصاري يدور في سكك الأنصاري بالمدينة، وهو يقول: (علي خير البشر، فمن أبى فقد كفر)، يا معاشر الأنصار أدبوا أولادكم على حب علي، فمن أبى، فانظروا في شأن أمه".[245] وينقل عنه قوله: كنّا عند النبي صلى الله عليه وآله فاقبل علي، فقال النبي صلى الله عليه وآله: والّذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أولئك هُم خَيرُ البَرِيَّةِ)[246] فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إذا أقبل علي قالوا: جاء خير البرية"[247]. ولهذا لم يكن من الغريب أن يستهدفه الجيش الأموي بقيادة بسر بن أرطاة حين هاجم المدينة حيث اختفى عنهم ولكنه تحت تهديد سبي الأمويين نساءَ قومه وقتل رجالهم تشاور مع أم المؤمنين أم سلمة المخزومية فأشارت عليه بالتسليم لهم والبيعة[248]فهذا أوان تطبيق التقية وهكذا كان، فقد نقل عنه: "لما خفت بسراً وتواريت عنه قال لقومي: لا أمان لكم عندي حتى يحضر جابر فأتوني وقالوا: ننشدك الله لما انطلقت معنا فبايعت، فحقنت دمك ودم قومك، فإنك إن لم تفعل قتلت مقاتلينا وسبيت ذرارينا، فاستنظرتهم الليل، فلما أمسيت دخلت على أم سلمة فأخبرتها الخبر فقالت: يا بني انطلق فبايع أحقن دمك ودماء قومك فإني أمرت ابن أخي أن يذهب ويبايع، واني لأعلم انها بيعة ضلالة".[249] جابر الأنصاري والنهضة الحسينية:
--> 243 ) البخاري: صحيح البخاري ٥/ 108 عن جابِر بن عَبدِ اللَّهِ، قالَ: لَمّا حُفِرَ الخَندَقُ رَأيتُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله خَمَصًا شَدِيدًا، فانكَفَأتُ إلى امرَأتِي، فَقُلتُ: هَل عِندَكِ شَيءٌ؟ فَإنِّي رَأيتُ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله خَمَصًا شَدِيدًا، فَأخرَجَت إلَيَّ جِرابًا فِيهِ صاعٌ مِن شَعِيرٍ، ولَنا بُهَيمَةٌ داجِنٌ فَذَبَحتُها، وطَحَنَتِ الشَّعِيرَ، فَفَرَغَت إلى فَراغِي، وقَطَّعتُها فِي بُرمَتِها، ثُمَّ ولَّيتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله، فَقالَت: لاَ تَفضَحنِي بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وبِمَن مَعَهُ، فَجِئتُهُ فَسارَرتُهُ، فَقُلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحنا بُهَيمَةً لَنا وطَحَنّا صاعًا مِن شَعِيرٍ كانَ عِندَنا، فَتَعالَ أنتَ ونَفَرٌ مَعَكَ، فَصاحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله فَقالَ: «يا أهلَ الخَندَقِ، إنَّ جابِرًا قَد صَنَعَ سُورًا، فَحَيَّ هَلًا بِهَلّكُم» فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: «لاَ تُنزِلُنَّ بُرمَتَكُم، ولاَ تَخبِزُنَّ عَجِينَكُم حَتّى أجِيءَ». فَجِئتُ وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله يَقدُمُ النّاسَ حَتّى جِئتُ امرَأتِي، فَقالَت: بِكَ وبِكَ، فَقُلتُ: قَد فَعَلتُ الَّذِي قُلتِ، فَأخرَجَت لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وبارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إلى بُرمَتِنا فَبَصَقَ وبارَكَ، ثُمَّ قالَ: «ادعُ خابِزَةً فَلتَخبِز مَعِي، واقدَحِي مِن بُرمَتِكُم ولاَ تُنزِلُوها» وهُم ألفٌ، فَأُقسِمُ بِاللَّهِ لَقَد أكَلُوا حَتّى تَرَكُوهُ وانحَرَفُوا، وإنَّ بُرمَتَنا لَتَغِطُّ كَما هِيَ، وإنَّ عَجِينَنا لَيُخبَزُ كَما هُوَ. 244 ) الحسني؛ السيد ابن طاووس: اليقين ٣٠١ 245 ) الصدوق؛ محمد بن علي بن بابويه: من لا يحضره الفقيه 3 / 493 وذكر المحقق للكتاب في حاشية الحديث ما يلي: وهذا الكلام رواه العامة بطريق متكثرة مذكورة في مسند أحمد بن حنبل وفردوس الاخبار ومسند فخر خوارزم وغيرها، ونقل من طرقهم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبع طرق: " يا معشر الأنصار أدبوا أولادكم على حب علي عليه السلام.. 246 ) سورة البينة، الآية 7 247 ) الطوسي، الأمالي ٢٨٢ وابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٢/٣٧١ 248 ) تحدث عن ذلك ابن الأثير في الكامل، بقوله: في هذه السنة (سنة 40 هـ) بعث معاوية بُسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف، فسار حتى قدم المدينة إلى أن قال: فأرسل إلى بني سلمة فقال: واللَّه ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبد اللَّه! فانطلق جابر إلى أُمّ سلمة زوج النبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقال لها: ما ذا ترين؟ إنّ هذه بيعة ضلالة وقد خشيتُ أن أُقتل. قالت: أرى أن تبايع.. فأتاه جابر فبايعه. 249 ) ذكره مختصرا البخاري في التاريخ الأوسط ١/١١٥