فوزي آل سيف

90

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

من الغريب أننا لا نجد لجابر بن عبد الله ذكراً في أيام إمامة الإمام الحسن المجتبى والتي استمرت عشر سنين بعد والده أمير المؤمنين، كما لا نجد له ذكرًا واضحًا في بداية النهضة الحسينية وانطلاق الإمام عليه السلام من المدينة إلى مكة ومنها إلى كربلاء. وقد يكون عدم خروجه معه راجعاً إلى ما ذكرناه في كتابنا[250]عن سيرة الإمام الحسين عليه السلام، من أن خروج الإمام عليه السلام من المدينة إلى مكة لم يكن فيه دعوة واضحة للناس للخروج معه بمقدار ما كان إعلان موقف معارض للسلطة الأموية ولبيعة يزيد، وانسحابًا من المدينة إلى مكة المكرمة ونقل ساحة الصراع إلى منطقة أخرى! وربما لهذا السبب ولغيره فإن قسمًا من أصحاب النبي وأمير المؤمنين في تلك الفترة ربما لم يكونوا يرون أنفسهم مخاطبين بالخروج مع الإمام عليه السلام. نعم سنجد ذكرًا مفصلًا عنه باعتباره أول (أو من أوائل) من زار قبر الحسين بعد شهادته، فبناء على المعروف بين المؤرخين من أن يوم العشرين من صفر سنة 61 ه، كان اليوم الذي زار فيه جابر الأنصاري مع تلميذه وراويه عطية العوفي[251]قبر الحسين في كربلاء، وقد نقل ذلك الخبر بتفاصيله. ويظهر من خبرٍ أن جابرًا كان يزور الإمام زين العابدين عليًا بن الحسين عليه السلام، وأنه في إحدى زياراته تلك ونحن نفترض أنها في حوالي سنة 70 هـ وكان الإمام الباقر حينها في حدود الثانية أو الثالثة عشر بحيث يصدق عليه ما ورد في الرواية من التعبير عنه بغلام، تعرف جابر عليه من قرب وكان قد ذكره له رسول الله صلى الله عليه وآله وأوصاه بإبلاغه سلامه، ومن حينها فقد أصبح الإمام محمدٌ الباقر يتردد على جابر بن عبد الله الأنصاري إلى أن توفي في سنة 74 ه أو 79 على الخلاف الموجود بينهم في سنة وفاته. تردد الإمام الباقر على جابر وزيارته المتكررة له حققت فوائد متعددة منها: - إجلال منزلة جابر كصحابي لرسول الله وهذا ما يكذب الأحدوثة الأموية والتي استمرت فيما بعد من اتهام شيعة أهل البيت بعداء الصحابة أو التهجم عليهم! فهذا إمامهم يوقر جابرًا ويعظم منزلته ويذهب زائرا إليه في بيته. وتعظيم شأن جابر الأنصاري كشخص حيث أنه ممن أحسن الصحبة لرسول الله وتابع المسيرة مع وصيه أمير المؤمنين، بل واستمر على ولاء أئمة الهدى عليهم السلام. -ومن ذلك فإن الزيارة لجابر والسماع منه يجعل قسمًا من الناس وهم أتباع مدرسة الخلفاء ينظرون إلى روايات وأحاديث الإمام الباقر عليه السلام على أنها متصلة برسول الله وغير منقطعة الاسناد[252]وذلك من خلال جابر الذي ينقل عنه - فرضا- الإمام محمد الباقر عليه السلام.

--> 250 ) آل سيف؛ فوزي: أنا الحسين بن علي؛ أوراق من السيرة المغيبة للإمام الحسين. 251 ) عطية بن سعد بن جنادة العوفي توفي سنة 111 هـ كان أبوه سعد بن جنادة وهو من بني جديل أول من أسلم من أهل الطائف ، وصحب النبي صلى الله عليه وآله ، وروى عنه عددا من الأحاديث ، وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله كان ممن عرف أمير المؤمنين عليه السلام، ووالاه وشارك معه في حروبه، وروى عنه بعض الأحاديث، ولعل الناظر إلى نوعية الأحاديث التي رواها، وأكثر منها يعرف سر تضعيف رجاليي الجمهور لعطية، فإنه قد روى حديث الثقلين، وأن الأئمة اثنا عشر، وحديث سفينة نوح ، وتفسير آية (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس) في أهل البيت، وحديث الغدير، والمنزلة وسد الأبواب غير باب علي عليه السلام، وحديث إعطاء النبي صلى الله عليه وآله فدكاً، وروى خطبة الزهراء الفدكية وروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله في المهدي أنه (رجل من أهل بيتي).. وغيرها. وكان عطية من جملة الثائرين.. قال ابن سعد (.. خرج عطية مع ابن الاشعث على الحجاج، فلما انهزم جيش ابن الاشعث هرب عطية إلى فارس، فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم: أنْ ادعُ عطية فانْ لعن علي بن أبي طالب والا فاضربه اربع مئة سوط!! واحلق رأسه ولحيته، فدعاه فأقرأه كتاب الحجاج، فأبى عطية ان يفعل، فضربه اربع مئة سوط، وحلق رأسه ولحيته، فلما ولي قتيبة خراسان خرج عطية إليه، فلم يزل بخراسان حتى ولي عمر بن هبيرة العراق، فكتب إليه عطية يسأله الاذن له في القدوم، فأذن له، فقدم الكوفة، ولم يزل بها إلى ان توفي سنة إحدى عشرة ومئة.. وكان ثقة وله احاديث صالحة..). لتفصيل سيرته يمكن مراجعة كتابنا: من قضايا النهضة الحسينية.. 252 ) كان محمد بن علي يحدثهم عن أبيه عن رسول الله، فلم يقبلوه، فحدثهم عن جابر فصدقوه، وكان جابر والله يأتيه ويتعلم منه.