فوزي آل سيف
70
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
يا أبا ذر، كن في الدنيا كأنّك غريب وكعابر سبيلٍ، وعد نفسك في أهل القبور. يا أبا ذر، إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري ما اسمك غدًا. يا أبا ذر، إياك أن تدركك الصرعة عند الغِرة فلا تُمكَّن من الرجعة، ولا يحمدك من خلفت بما تركت، ولا يعذرك من تُقدم عليه بما به اشتغلت. يا أبا ذر، ما رأيت كالنار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها. يا أبا ذر، كن على عمرك أشحَّ منك على درهمك ودينارك. يا أبا ذر، هل ينتظر أحدكم إلا غنى مطغيًا، أو فقرًا منسيًا، أو مرضًا مضنيًا، أو هرمًا مفنّدًا، أو موتًا محيرًا أو الدجال فإنه شر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر. يا أبا ذر، إن شر الناس عند الله تعالى يوم القيامة عالمٌ لا ينتفع بعلمه، ومن طلب علمًا ليصرف به وجوه الناس إليه لم يجد ريح الجنة. يا أبا ذر، إذا سئلت عن علم لا تعلمه فقل: لا أعلمه. تنج من تبعته، ولا تُفتِ الناس بما لا علم لك به تنج من عذاب يوم القيامة. يا أبا ذر، يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار يقولون: ما أدخلكم النار، وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم! فيقولون: إنا كنا نأمركم بالخير ولا نفعله. يا أبا ذر، إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله -عز وجل- أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أمسوا تائبين وأصبحوا تائبين. يا أبا ذر، إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن يزرع خيرًا يوشك أن يحصد رغبة، ومن يزرع شرًا يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع ما زرع. يا أبا ذر، لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، ومن أعطي خيرا فالله -عز وجل- أعطاه، ومن وقي شرا فإن الله وقاه. يا أبا ذر، المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة. يا أبا ذر، إن المؤمن ليرى ذنبه كأنه تحت صخرة يخاف أن تقع عليه، والكافر يرى ذنبه كأنه ذباب مر على أنفه. يا أبا ذر، إن الله إذا أراد بعبد خيرًا جعل الذنوب بين عينيه ممثلة. يا أبا ذر، لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت. يا أبا ذر، إن نفس المؤمن أشد تقلبًا وخيفة من العصفور حين يقذف به في شرك. يا أبا ذر، من وافق قوله فعله فذاك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله فذلك المرء إنما يوبخ نفسه. يا أبا ذر، إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. يا أبا ذر، إنك إذا طلبت شيئًا من الآخرة واتبعته تيسر لك، وإذا رأيت شيئًا من أمر الدنيا واتبعته عسر عليك، فإنك على حال خشيته. يا أبا ذر، لا تنطق فيما لا يعنيك فإنك لست منه في شيء وأحرز لسانك كما تحرز رزقك. يا أبا ذر، إن الله -جل ثناؤه- ليدخل قوماً الجنة فيعطيهم حتى تنتهي أمانيهم، وفوقهم قومٌ في الدرجات العلى، فإذا نظروا إليهم عرفوهم فيقولون: ربنا إخواننا كنا معهم في الدنيا، فبم فضلتهم علينا؟ فيقال: هيهات، إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمأون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويشخصون حين تخفضون.