فوزي آل سيف
71
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
يا أبا ذر، إن الله تعالى جعل قرة عيني في الصلاة وحببها إليّ كما حبب إلى الجائع الطعام، وإلى الظمآن الماء، فإن الجائع إذا أكل الطعام شبع، وإذا شرب الماء روي، وأنا لا أشبع من الصلاة. يا أبا ذر، إن الله تعالى بعث عيسى بن مريم بالرهبانية، وبعثت بالحنيفية السمحة، وحببت إليّ النساء والطيب، وجعلت في الصلاة قرة عيني. يا أبا ذر، أيما رجل تطوع في يوم اثنتي عشرة ركعة سوى المكتوبة، كان له حقًّا واجبًا بيت في الجنة. يا أبا ذر، صلاة في مسجدي هذا تعدل مائة ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره، وأفضل من هذا كله صلاة يصليها الرجل في بيته حيث لا يراه إلا الله -عز وجل- يطلب بها وجه الله تعالى. يا أبا ذر، إنك ما دمت في الصلاة فإنك تقرع باب الملك، ومن يكثر قرع باب الملك يفتح. يا أبا ذر، ما من مؤمن يقوم إلى الصلاة إلا تناثر عليه البِرّ ما بينه وبين العرش، ووكل به ملك ينادي: يا بن آدم، لو تعلم ما لك في صلاتك ومن تناجي ما سئمت ولا التفت. يا أبا ذر، طوبى لأصحاب الألوية يوم القيامة، يحملونها فيسبقون الناس إلى الجنة، ألا وهم السابقون إلى المساجد بالأسحار وغيرها. يا أبا ذر، لا تجعل بيتك قبرًا، واجعل فيه من صلاتك يضيء بها قبرك..[195] كما أن شيخ الطائفة أيضاً نقل عنه وصية أخرى مختصرة، سمعها من النبي صلى الله عليه وآله، وهو جالس في المسجد وحده بينما كانت تلك الأولى معه عليٌّ عليه السلام، وهنا لا توجد إشارة إلى وجود الإمام عليه السلام، وعباراتها مختلفة عن الأولى، بالإضافة إلى أنه هذه مختصرة كما قلنا بالقياس للأولى. وبحسب ما جاء في هاتين الوصيتين من حرص أبي ذر على كلام النبي صلى الله عليه وآله، وحرص النبي على بيان منزلة أبي ذر حيث هو (مِنّا أهل البيت) ويلحظ أن النبي بدأ معه في الوصية الأولى من العقائد الأصلية من التوحيد والإيمان بالنبي ثم الاعتقاد بأهل البيت والسير على منهاجهم وهذا الأخير هو جوهر الصراع بعد النبي، وأساس حركة أبي ذر الغفاري. وكذلك نلحظ اهتمام أبي ذر بالاستفادة من فرصة خلو المسجد ليأخذ من النبي توجيها ووصية قد لا يحظى بها في غير هذه الفرصة وقد لا يهتم بها غيره حتى في هذه الفرصة. ومن خلال ما جاء في هذه الوصية نلتقي مع شخصية علمية متقدمة في الفهم العقائدي، ومستقبلة للتربية الروحية والأخلاقية، على خلاف ما يصوره كتاب ومؤرخو مدرسة الخلفاء من إظهاره بمظهر الثائر الفوضوي البغيض![196] والوصية الثانية كذلك بل هي أوضح في إظهار الشخصية العلمية لأبي ذر الغفاري فإليك بعض سطور تلك الوصية: الوصية النبوية الثانية لأبي ذر:
--> 195 ) الطوسي؛ محمد بن الحسن: الأمالي ٥٥٧، والوصية طويلة نقلنا منها أقل من ربعها. وقد شرحنا الوصية في كراس خاص، كما استشهد بمضامينها فقهاء الطائفة في مواضع مختلفة 196 ) ذكرنا في كتابنا من قصة الديانات والرسل، وعند الحديث عما كان في كتب الأنبياء السابقين ولا سيما صحف ابراهيم وموسى شيئا عن هذا ونحيل إليه حيث جاء فيه:" إن أبا ذر الغفاري وخلافًا للصورة التي يصورها عنه كتاب التاريخ الأموي والرسمي، في المسلمين من أنه كان شخصية فوضوية عنيفة، لكي يدافعوا بذلك عن معاوية بن أبي سفيان وربما عن مواقف الخليفة عثمان.. يظهر بصورة عالمٍ دقيقِ النظر وساعٍ وراء المعرفة من رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك أن سؤال المرء هو ترجمان عقله، وأسئلة أبي ذر تلك تنبي عن عقله ومعرفته"