فوزي آل سيف
69
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
ولم يكن معه بعد ذلك إلا ابنته وزوجته (وفي رواية أن زوجته توفيت قبله)، حينما حانت منه الوفاة، فأوصاها بأنه سيأتي ركب إليه لجنازته، كما أخبره بذلك النبي صلى الله عليه وآله في حديثه المعروف بين الفريقين: " رحمك الله يا أبا ذر، تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك ". وبينما جنازته في داخل الخيمة " فإذا برهط قد أقبلوا من بيت الله الحرام، منهم الأحنف بن قيس التميمي وصعصعة بن صوحان العبدي ومالك الأشتر النخعي وآخرين.. فطلبت منهم تجهيزه كما أخبرها أبو ذر قبل موته، فاستجابوا لها وباشروا في تجهيزه، ولما سووا عليه التراب قام الأشتر على قبره فحمد الله وأثنى عليه وذكر نبيه محمدًا صلوات الله عليه، ثم قال: اللهم! هذا أبو ذر جندب بن جنادة بن سكن الغفاري صاحب رسولك محمد صلى الله عليه وآله، اتبع ما أنزلت من آياتك، وجاهد في سبيلك، ولم يغير ولم يبدل، ولكن رأى منكرًا فأنكره بلسانه وقلبه، فحُقّر وحُرم حتى افتقر وضُيّع حتى مات غريبًا في أرض غربة، اللهم! فأعطه من الجنة حتى يرضى، واقصم من طرده وحرمه ونهاه من مهاجره حرم رسولك محمد صلى الله عليه وآله".[194] ملحق في وصية النبي لأبي ذر الغفاري: روى الشيخ الصدوق في كتابه الأمالي بسنده عن أبي الأسود الدؤلي قال: قدمت الربذة فدخلت على أبي ذر جندب بن جنادة فحدثني أبو ذر، قال: دخلت ذات يوم في صدر نهاره على رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجده، فلم أر في المسجد أحدًا من الناس إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام إلى جانبه جالس، فاغتنمت خلوة المسجد، فقلت. يا رسول الله، بأبي أنت وأمي أوصني بوصية ينفعني الله بها. فقال: نعم وأكرم بك يا أبا ذر، إنك منا أهل البيت، وإني موصيك بوصية إذا حفظتها فإنها جامعة لطرق الخير وسبله، فإنك إن حفظتها كان لك بها كفلان. يا أبا ذر، اعبد الله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه -عز وجل- يراك، واعلم أن أول عبادته المعرفة به فإنه الأول قبل كل شيء فلا شيء قبله، والفرد فلا ثاني معه، والباقي لا إلى غاية، فاطر السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما من شيء، وهو الله اللطيف الخبير، وهو على كل شيء قدير، ثم الإيمان بي والاقرار بأن الله -عز وجل- أرسلني إلى كافة الناس بشيرًا ونذيرًا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، ثم حب أهل بيتي الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا. واعلم يا أبا ذر، أن الله تعالى جعل أهل بيتي كسفينة النجاة في قوم نوح، من ركبها نجا، ومن رغب عنها غرق، ومثل باب حطة في بني إسرائيل من دخلها كان آمنا. يا أبا ذر، احفظ ما أوصيتك به تكن سعيدًا في الدنيا والآخرة. يا أبا ذر، نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ. يا أبا ذر، اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك. يا أبا ذر، إياك والتسويف بأملك، فإنك بيومك ولست بما بعده، فإن يكن غدٌ لك تكن في الغد كما كنت في اليوم له، وإن لم يكن غدٌ لك لم تندم على ما فرطت في اليوم. يا أبا ذر، كم من مستقبلٍ يومًا لا يستكمله ومنتظرٍ غدًا لا يبلغه. يا أبا ذر، لو نظرت إلى الأجل ومسيره لأبغضت الامل وغروره.
--> 194 ) بن أعثم الكوفي، أحمد، الفتوح ٢/١١٢