فوزي آل سيف

68

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

فكتب إليه عثمان: أما بعد فاشخص إليّ أبا ذر حين تنظر في كتاب هذا. والسلام. فبعث معاوية إلى أبي ذر فدعاه وأقرأه كتاب عثمان، وقال له: النجا! الساعة! فخرج أبو ذر إلى راحلته فشدها بكورها وأنساعها، فاجتمع إليه الناس فقالوا له: يا أبا ذر رحمك الله أين تريد؟ قال: أخرجوني إليكم غضَبًا(أو غصبًا) علي.[189] فمضى حتى قدم عثمان، فلما دخل عليه قال له: لا قرب الله بعمرو عينًا، فقال أبو ذر: والله ما سماني أبواي عمرًا، ولكن لا قرب الله من عصاه، وخالف أمره، وارتكب هواه، فقام إليه كعب الأحبار فقال له: ألا تتقي الله يا شيخ تجبه أمير المؤمنين بهذا الكلام؟ فرفع أبو ذر عصًا كانت في يده فضرب بها رأس كعب، ثم قال له: يا ابن اليهوديين، ما كلامكم مع المسلمين؟ فوالله ما خرجت اليهودية من قلبك بعد، فقال عثمان: والله لا جمعتني وإياك دار! قد خرفت وذهب عقلك! أخرجوه من بين يدي حتى تركبوه قتب ناقته بغير وطاء، ثم انجوا به الناقة وتعتعوه حتى توصلوه الربذة، فانزلوه بها من غير أنيس، حتى يقضي الله فيه ما هو قاض، فأخرجوه متعتعًا ملهوزًا بالعصي، وتقدم ألا يشيعه أحدٌ من الناس، فبلغ ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فبكى حتى بل لحيته بدموعه، ثم قال: أهكذا يصنع بصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله؟ إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ثم نهض ومعه الحسن والحسين عليهما السلام وعبد الله بن العباس والفضل وقثم وعبيد الله حتى لحقوا أبا ذر فشيعوه، فلما بصر بهم أبو ذر رحمه الله حنَّ إليهم وبكى عليهم، وقال: بأبي وجوهٌ إذا رأيتها ذكرت بها رسول الله صلى الله عليه وآله وشملتني البركة برؤيتها، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إني أحبهم، ولو قطعت إرباً إرباً في محبتهم ما زلت عنها ابتغاء وجهك والدار الآخرة، فارجعوا رحمكم الله والله أسأل أن يخلفني فيكم أحسن الخلافة، فودعه القوم ورجعوا وهم يبكون على فراقه. وفي هذا المقام قال له الإمام عليٌّ عليه السلام: " يَا أَبَاذَرٍّ، إِنَّكَ غَضِبتَ للهِ، فَارجُ مَن غَضِبتَ لَهُ، إِنَّ القَومَ خَافُوكَ عَلَى دُنيَاهُم، وَخِفتَهُم عَلَى دِينِكَ، فَاترُك فِي أَيدِيهِم مَا خَافُوكَ عَلَيهِ، وَاهرُب مِنهُم بِمَا خِفتَهُم عَلَيهِ؛ فَمَا أَحوَجَهُم إِلَى مَا مَنَعتَهُم، وأَغنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ! وَسَتَعلَمُ مَنِ الرَّابحُ غَداً، وَالأَكثَرُ حُسَّداً. وَلَو أَنَّ السَّماَوَاتِ وَالأَرَضِينَ كَانَتَا عَلَى عَبدٍ رَتقاً، ثُمَّ اتَّقَى اللهَ، لَجَعَلَ اللهُ لَهُ مِنهُمَا مَخرَجاً! لاَ يُؤنِسَنَّكَ إِلاَّ الحَقُّ، وَلاَ يُوحِشَنَّكَ إِلاَّ البَاطِلُ، فَلَو قَبِلتَ دُنيَاهُم لِأَحَبُّوكَ، وَلَو قَرَضتَ مِنهَا لِأَمَّنُوكَ ".[190] 7- التسفير الثاني ونهاية حياته غريبا: تورط مؤرخو مدرسة الخلفاء[191]في موضوع التسفير إلى الربذة،[192]وأنه كيف مات فيها؟ وهنا حتى مواقع القبور[193]تكون شواهد على ما حدث لأصحابها، لذلك اقترحوا حلًّا مضحكًا وهو أن يكون ذلك بطلب من أبي ذر نفسه! واقتراحه على الخليفة أن يبعثه هناك! حيث لا زرع ولا ضرع ولا أنيس! فإذا كان ذلك باقتراحه فلماذا يُنهى عن تشييعه حين خروجه إلى حد التهديد بالعقوبة لمن يفعل؟! هل هناك عاقل يخرج من جوار رسول الله صلى الله عليه وآله حيث المعنى الأكبر للبركة والرحمة، ومن بيته في المدينة حيث الراحة النسبية، ليخرج وهو قد تجاوز السبعين من العمر مع زوجته وابنته ليضرب في الصحراء خيمته ويعيش منتظرًا أجله!

--> 189 ) المجلسي: بحار الأنوار 22 /395؛ عن مجالس المفيد 190 ) الشريف الرضي: نهج البلاغة؛ من كلام الامام علي ص 188 191 ) وتخلص الطبري في تاريخه ٤/‏٢٨٣، من ذلك بالقول " قد ذكر في سبب إشخاصه إياه منها إليها (من المدينة إلى الربذة) أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها" 192 ) الربذة: جنوب شرقي المدينة المنورة، وتبعد عنها حوالي 200 كيلومتر. 193 ) هل لهذا ارتباط بالعلاقة المتشنجة التي يحملها أتباع المدرسة السلفية لقضية القبور؟ فوق ما يدعون من أن زوارها يدعون المدفونين فيها؟ نعم قد يكون القبر شاهدا على التاريخ، فقبر فاطمة عليها السلام باختفائه وغيابه المتعمد يصبح دليل سخط على من سلبها حقها، وتفرق قبور أهل البيت يمينًا وشمالًا في غير بلادهم يكون رمزا لمظلوميتهم، فلِمَ لا يكون قبر أبي ذر كذلك؟ وهو في وسط صحراء مهجورة؟