فوزي آل سيف

67

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

جَلَس ناحيةَ القَومِ وميراثُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ يُقَسَّمُ، فقالَ عثمانُ لِكَعبٍ: يا أبا إسحاقَ: أرأيتَ المالَ إذا أُدِّىَ زَكاتُهُ هَل يُخشى عَلى صاحِبه فِيه تَبعَتُهُ؟ قالَ: لاَ، فَقامَ أبو ذَرٍّ ومَعه عصًا فَضَربَ بِها بَين أُذُني كَعبٍ، ثُمَّ قالَ: يا بنَ اليهودِيةِ تَزعُمُ أنَّه لَيس (عَلَيه) حَقٌّ في مالِه إذا أدّى الزَّكاةَ، واللهُ تَعالى يقولُ: - ﴿ويُؤثِرُونَ عَلى أنفُسِهِم ولَو كانَ بِهِم خَصاصَةٌ﴾ واللهُ تعالى يقول: ﴿ويُطعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ واللهُ تَعالى يقولُ: ﴿وفِي أموالِهِم حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحرُومِ﴾ فَجعَل يَذكُر نَحوَ هذا مِنَ القرآن، فقالَ عثمانُ لِلقُرَشِيّ، إنّا نكرهُ أن نأذَنَ لأبِي ذَرٍّ مِن أجلِ ما تَرى".[185] ولم يكن أبو ذر الغفاري هو الوحيد الذي اصطدم مع الخليفة عثمان من الصحابة، بل كان هناك عبد الله بن مسعود الذي توفي على أثر عقوبة قام بها غلمان الخليفة حيث "أمر عُثمان بِهِ فأخرج من المَسجِد إخراجًا عنيفًا، وضرب بِهِ عَبد اللَّهِ بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأرضَ، ويقال بَل احتمله يحموم غلام عُثمان ورجلاه تختلفان عَلى عنقه حَتّى ضرب بِهِ الأرض فدق ضلعه"[186]ومات وأوصى أن لا يصلي عليه الخليفة، وإنما عمار بن ياسر فلما علم الخليفة بذلك أغلظ لعمار! واصطدم معه. وقد أكثر من تلاوته لقول الله تعالى - وفيها رسائل لا تخفى على المتأمل -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحبَارِ وَالرُّهبَانِ لَيَأكُلُونَ أَموَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَومَ يُحمَىٰ عَلَيهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُم وَجُنُوبُهُم وَظُهُورُهُم ۖ هَٰذَا مَا كَنَزتُم لِأَنفُسِكُم فَذُوقُوا مَا كُنتُم تَكنِزُونَ)[187] 6- التسفير إلى الشام: على أثر معارضته لسياسة الخليفة المالية في محاباة أقاربه، وإعطائهم من بيت مال المسلمين[188]ما لا يستحقون، ومواجهته لتغول التيار الثقافي الوافد من كتب اليهود، تم استدعاؤه وتعنيفه لموقفه المعارض، وتقرر بعدها ترحيله إلى الشام ليكون تحت رقابة معاوية بن أبي سفيان. " ولما أخرج عثمان أبا ذر الغفاري رحمه الله من المدينة إلى الشام كان يقوم في كل يوم فيعظ الناس ويأمرهم بالتمسك بطاعة الله، ويحذرهم من ارتكاب معاصيه، ويروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله ما سمعه منه في فضائل أهل بيته عليه وعليهم السلام ويحضهم على التمسك بعترته، فكتب معاوية إلى عثمان: أما بعد فإن أبا ذر يصبح إذا أصبح ويمسي إذا أمسى وجماعة من الناس كثيرة عنده، فيقول: كيت وكيت، فإن كان لك حاجة في الناس قبلي فأقدم أبا ذر إليك، فإني أخاف أن يفسد الناس عليك. والسلام.

--> 185 ) جمع الجوامع المعروف بـ «الجامع الكبير» ١٦/‏٨١٥ السيوطي، ولا نعتقد أن القضية كانت ضمن هذه الحدود؛ فإنه يلحظ أن منهج الاتجاه الرسمي لمدرسة الخلفاء يظهر أبا ذر بصورة الفوضوي الذي لا يراعي أمور النظام والاستقرار ولا يستطيع الانسجام مع الحالة المدنية للمجتمع! والشاهد على أن القضية لم تكن ضمن هذه الحدود المذكورة في الحديث أعلاه، هو كلام رسول الله وتثمين أمير المؤمنين عليهما السلام لحركته وقوله وأمره بالمعروف. فإن ما سبق ذكره في الحديث لو أخذ على علاته فإنه يخطّئ أبا ذر وكلامه والحال أنه أصدق لهجة من كل أحد بنص النبي! بينما أقل الناس يعرف بأن من أدى زكاة أمواله فلا حرج عليه بعد ذلك إذا أنفقه في المعروف.. وإنما الكلام الأصلي هو في بيت مال المسلمين الذي يكاد يجمع المؤرخون على القول بأن الخليفة الثالث أباحه لأقاربه من بني أمية وكان ذلك سبب الثورة عليه.. 186 ) البلاذري: أنساب الأشراف ٥/‏٥٢٥ 187 ) التوبة 34 - 35 188 ) ذكر البلاذري في أنساب الأشراف 5/ 527 جانبا من ذلك ونقل شعر بعض من نقموا على الخليفة أفعاله في قوله: دعوت اللعين فأدنيته … خلافا لسنة من قَد مضى يَعنِي الحكم بن العاص الذي لعنه النبي وطرده من المدينة وأعطيتَ مَروان خمس العِباد … ظلما لَهُم وحميت الحمى ومال أتاك به الأشعري … من الفيء أنهبتَه من ترى