فوزي آل سيف

62

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

أما مصعب فقد صدق الله ما عاهده عليه، وقضى نحبه بعد حياة حافلة بالإيمان والجهاد. وعندما انتهت المعركة، وجاءت أخبارها إلى حمنة بنت جحش زوجة مصعب، فقيل لها: قتل أخوك، قالت: رحمه الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، فقيل لها: قتل خالك حمزة، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقيل لها: قتل زوجك، قالت: واحزناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إن للزوج من المرأة لشعبةً ما هي لشيءٍ". أبو ذر الغفاري: سلطان الكلمة الصادق جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله عن الصحابي أبي ذر الغفاري (رض): "مَا أَظَلَّت الخَضرَاءُ، وَلَا أَقَلَّت الغَبرَاءُ مِن ذِي لَهجَةٍ أَصدَقَ، وَلَا أَوفَى مِن أَبِي ذَرٍّ شِبهِ عِيسَى ابنِ مَريَمَ عَلَيهِ السَّلَام... ". ورَوَى بَعضُهُم: " أَبُو ذَرٍّ يَمشِي فِي الأَرضِ بِزُهدِ عِيسَى ابنِ مَريَمَ عَلَيهِ السَّلَام ". (وردت صيغ أخرى للحديثين في المصادر، وكلها بنفس المعنى)[176] ١- مَن هو أبو ذر؟ أبو ذر:كنيةٌ، واسمه الأصلي: جُندَب،[177]بن جنادة، من قبيلة (غفار). ولكن غلبت كنيته وعُرف بها، وقد تشتهر الكنية لأسباب ويعرَف الشخص بها بدلاً من اسمه الأصلي، كاشتهار كنية والد أمير المؤمنين (أبي طالب)، والذي قلّما يعرف الناس اسمه الأصلي. ومن المهم ونحن نستعرض شخصية هذا الصحابي الجليل أن نتوقف ملياًّ عند محطات حياته، لكي نميط اللثام الذي فرض على حياته الحافلة بالجهاد والكلمة الصادقة والأمر بالمعروف، ونتعرف أكثر على شخصيةٍ كان لها أدوار مهمة في التاريخ الإسلامي. وإذا عدنا للحديث الذي افتتحنا به، فإنه يشير إلى أن الخضراء (يعني السماء) لم تُظلِّل على أحد مثلما أن الغبراء (يعني الأرض) لم تحمل أحدًا هو أصدق لهجةٍ من أبي ذر الغفاري. وبعبارة أخرى فإنه الأصدق بين الناس بعد المعصومين عليهم السلام.[178]

--> 176 ) ابن سعد: الطبقات الكبرى ط العلمية ٤/١٧٢ وأمالي الشيخ الطوسي ص ٨٣ 177 ) أو جُندُب بن جنادة بفتح الدال أو ضمها، فكلا الصيغتين واردتان في اللغة العربية. 178 ) الصدوق، محمد بن علي بن بابويه: معاني الأخبار / ١٧٩ أشار إلى هذا المعنى في الاستثناء ما جاء في الرواية عن إسمَاعِيل الفَرّاء، عَن رَجُلٍ، قَالَ: قُلتُ لأبي عَبد اللهِ عَلَيهِ السّلامُ: أليسَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلهِ فِي أبي ذَر - رَحمَة اللهِ عَليهِ -: " مَا أظَلَت الخَضرَاءُ وَلَا أقَلَت الغَبرَاءُ عَلى ذِي لَهجَةٍ أصدَقَ مِن أبي ذَر "؟ قَالَ: بَلى. قَالَ: قُلتُ: فَأينَ رَسُولُ اللهِ وَأميرُ المؤمِنِينَ؟ وَأينَ الحَسَنُ وَالحُسينُ؟ قَالَ: فَقَالَ لي: كَم السَّنةُ شَهراً؟ قَالَ: قُلتُ: اثنَا عَشَرَ شَهراً، قَالَ: كَم مِنهما حُرُمٌ؟ قَالَ قُلتُ: أربَعَةُ أشهُرٍ. قَالَ: فَشَهرُ رَمَضان مِنها؟ قَالَ: قُلتُ: لَا. قَالَ: إنَّ فِي شَهرِ رَمَضَان لَيلَةً أفضَلُ مِن ألفِ شَهرٍ، (إنا أهلُ بَيتٍ لَا يُقَاسُ بنَا أحدٌ). وبالرغم من الأرسال في الرواية فأنها ليست إلا شاهدا على المعنى المذكور وإلا فهو من اوليات الاعتقاد عند شيعة أهل البيت عليهم السلام بل عند عموم المسلمين، في تقدم النبي وعلي والحسنين عليهم السلام على أبي ذر في قضية الصدق بل مطلقا.