فوزي آل سيف
63
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
ولذلك فمن الغريب أننا لا نجد ما يروى عن هذا الأصدق على وجه الأرض (في زمانه باستثناء المعصومين)، فأين رواياته؟ وأين أقواله؟ إننا لو قارنّا ما جاء في مصادر مدرسة الخلفاء من أحاديث لوجدنا أنه لا تصل إلى 1% مما أسند إلى أبي هريرة الدوسي[179]مثلاً، مع أن مدة ملازمة أبي ذر للنبي صلى الله عليه وآله تصل إلى ثلاثة أضعاف ملازمة أبي هريرة! وذلك أن أبا ذر وإن كان قد آمن برسول الله صلى الله عليه وآله في مكة أوائل بعثته إلا أنه التحق به في المدينة في حوالي السنة الخامسة للهجرة وبقي معه فيها يشهد مشاهده إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وآله، يعني أنه بقي معه وفي صحبته ورفقته القريبة نحو خمس سنوات! وتنقل عن النبي صلى الله عليه وآله في مصادر الامامية وصية طويلة له يرويها هو عن النبي صلى الله عليه وآله. ٢- ما هي ديانة أبي ذر قبل إسلامه؟ كان أبو ذر من المتألهين، والمتألّهون (الحنفاء) هم الذين بقوا على الديانة الإبراهيمية في الجزيرة العربية، حيث تنقلت هذه الديانة عبر الأوصياء. ويعتقد باحثون أن عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وآله، ربما كان أحد الأوصياء الذين ورثوا الكتب السابقة، وأكدوا على الأصول الابراهيمية في قضايا التوحيد والإيمان بالآخرة ورفض عبادة الأصنام،[180]وفي تحليل الطيبات والتحلي بالأخلاق والفضائل، وتحريم الخبائث كالزنا والخمر، وأبقوا ما يمكن من مناسك الحج الإبراهيمي. وربما لم تكن لديهم الصورة بنفس الوضوح الذي صار لدى المسلمين بعد نزول القرآن، ولكن أصول هذه الديانة كانت موجودة. وهناك قسم آخر من المستقيمين، وإن لم يكونوا من الحنفاء والمتألهين بهذا المعنى، لكن كان لديهم حكمة عقل تهديهم إلى أن الحجر والخشب والتمر والصنم، وكل ما يُعبد من دون الله لا يضر ولا ينفع. ويعد أبو ذر الغفاري من أولئك الذين رفضوا عبادة الاصنام قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله، وكان يعبد الله سبحانه وتعالى. فلما سمع أنه قد بعث نبي بمكة أرسل أخاه أنيسًا. وقال له: اذهب إلى مكة، وانظر هذا الرجل الذي يقال أنه نبي، واختبر ميزانه، ثم أخبرني بمَ تجده. وهلمّا معي أخي القارئ أختي القارئة لنستمع إلى أبي ذر نفسه راويا قصة إسلامه كما نقلها البخاري والحاكم النيشابوري باسنادهما عن ابن عباس عنه وهو صحيح على مبانيهم، قال أَبُو ذَرٍّ: كُنتُ رَجُلًا مِن غِفَارٍ فَبَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا خَرَجَ بِمَكَّةَ يَزعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَقُلتُ لِأَخِي: انطَلِق إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَكَلِّمهُ وَائتِنِي بِخَبَرِهِ، فَانطَلَقَ، فَلَقِيَهُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقُلتُ: مَا عِندَكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَد رَأَيتُ رَجُلًا يَأمُرُ بِالخَيرِ وَيَنهَى عَنِ الشَّرِّ، قَالَ: فَقُلتُ لَهُ: لَم يَشفِنِي مِنَ الخَبَرِ، قَالَ: فَأَخَذتُ جِرَابًا وَعَصَا، ثُمَّ أَقبَلتُ إِلَى مَكَّةَ، فَجَعَلتُ لَا أَعرِفُهُ، وَأَكرَهُ أَن أَسأَلَ عَنهُ، وَأَشرَبُ مِن مَاءِ زَمزَمَ، وَأَكُونُ فِي المَسجِدِ، قَالَ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ فَقَالَ: كَأَنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ، قُلتُ: نَعَم، قَالَ: فَانطَلَقَ إِلَى المَنزِلِ، فَانطَلَقتُ مَعَهُ لَا يَسأَلُنِي عَن شَيءٍ، وَلَا أُخبِرُهُ، قَالَ: ثُمَّ لَمَّا أَصبَحتُ غَدَوتُ إِلَى المَسجِدِ لِأَسأَلَ عَنهُ، وَلَيسَ أَحَدٌ يُخبِرُنِي عَنهُ بِشَيءٍ، فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّ لِلرَّجُلِ أَن يَعرِفَ مَنزِلَهُ بَعدُ؟ قَالَ: قُلتُ: لَا، قَالَ: انطَلِق مَعِي، فَقَالَ: مَا أَقدَمَكَ هَذِهِ البَلدَةَ؟ قُلتُ لَهُ: إِن كَتَمتَ عَلَيَّ أَخبَرتُكَ؟ قَالَ: فَإِنِّي أَفعَلُ، قُلتُ لَهُ: بَلَغَنَا أَنَّهُ خَرَجَ مِن هَا هُنَا رَجُلٌ يَزعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَرسَلتُ أَخِي لِيُكَلِّمَهُ، فَرَجَعَ وَلَم يَشفِنِي مِنَ الخَبَرِ، فَأَرَدتُ أَن أَلقَاهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّكَ قَد رَشَدتَ، هَذَا وَجهِي، فَاتَّبِعنِي، وَادخُل حَيثُ أَدخَلُ، فَإِنِّي إِن رَأَيتُ
--> 179 ) نقلوا عن أبي ذر أقل من خمسين حديثا وعن أبي هريرة أكثر من خمسة آلاف! وبشكل دقيق فقد "أخرج له في الصحيحين ثلاثة وثلاثون حديثا، المتفق عليه منها اثنا عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بتسعة عشر".الإفصاح عن معاني الصحاح ٢/١٤٣ ابن هُبَيرَة 180 ) راجع كتابنا من أعلام الأسرة النبوية