فوزي آل سيف
56
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
وما ترون بعضه كان السجن والتقييد، وبعضه كان الحرمان من المنزل والطعام والشراب، وبعضه هو ما نقله سعد بن أبي وقاص في قوله: " كان مصعب بن عمير أترف غلام بمكة بين أبويه، فلما أصابه ما أصابنا لم يقو على ذلك، ولقد رأيته وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية، ولقد رأيته يتقطع به، فما يستطيع أن يمشي، فنعرض له القِسِيَّ، ثم نحمله على عواتقنا".[166] وإذا كان قد بلغ به الجهد إلى هذا المقدار فقد كان يقيس نفسه بباقي إخوته المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وآله ممن عذبوا وأوذوا بل وقُتلوا كوالدي عمار، وغيرهما فيصبره ذلك ويقويه. لا بلاء يدوم في الدنيا ولا نعيم يستمر ها هو حصار الشعب يتحطم بما أطلع الله نبيه عليه من أكل الأرضة وحشرة الأرض مواثيق قريش وكأنه يريد أن يقول لهم إن قوة قريش واعتبارها ومواثيقها واتفاقاتها لا تساوي جهد حشرة الأرض ولا تقاومها، فكيف تقاوم أمر الله تعالى؟ وحين أطلع النبي صلى الله عليه وآله عمه أبا طالب عليه السلام على ما جرى أنهى أبو طالب بحواره معهم الحصار وخرج المسلمون ومعهم رسول الله صلى الله عليه وآله وهم أقوى من ذي قبل، والكل يتناقل القصة والحادثة من قرشيين ومسلمين.[167] وبقدر ما خرج هؤلاء واثقين فقد تنمّر كفار قريش عليهم، مقسمين بأن يكسروا شوكة المسلمين وأن ينفوا هذا الدين وأهله! لا سيما وقد توفي حامي الرسول صلى الله عليه وآله والرأس المطاع والشخصية المهابة أبو طالب بن عبد المطلب. لا طريق إذن غير الهجرة والفرار بالدين من الوطن وجحود أهله. وهكذا كان. هاجر مصعب بن عمير فيمن هاجر من المسلمين المضطهدين إلى الحبشة حيث الملك العادل هناك، وما لبثوا غير برهة من الزمان حتى وصلت الأخبار إليهم بأن قريشاً قد فشا فيها الإسلام، وأن وضع المسلمين قد تحسن في مكة.. فعلامَ إقامتهم في الغربة؟ انتشر هذا الخبر بين المهاجرين انتشار النار في الهشيم، وعزم غير واحد من المهاجرين على العودة إلى مكة سريعاً فيما آثر آخرون الانتظار والتريث واستطلاع الأمر على حقيقته أو حتى انتظار أمر النبي صلى الله عليه وآله. وكان في العائدين مصعب، يحدوه الشوق الكبير في أن يرى والديه وقد أضاء قلبَهما نورُ الإسلام ويطمع في أن يمتع ناظريه بوقوفهما بين يدي الله خاشعين.. لكن كما صُدم غيره فقد صُدم لكون الخبر مكذوبًا وأنه لا حقيقة له! بل لقد سمع أن "أمه حلفت حين أسلم وهاجر ألا تأكل ولا تشرب ولا تستظل بظل حتى يرجع إليها، فكانت تقف للشمس حتى تسقط مغشياً عليها، وكان بنوها يحشون فاها بشجار، وهو عود فيصبون فيه الحساء لئلا تموت"[168] إننا لا نستبعد - وإن كنا لا نملك وثائق واضحة - أن يكون كفار قريش وكبارها قد سربوا هذا الخبر المكذوب لاسترجاع المسلمين من الحبشة ليكونوا في قبضتها تفتنهم عن دينهم، فلا يتحقق للدين الإسلامي انتشار خارج مكة، بل يتقلص حتى في داخلها بالقضاء على أتباعه أو حبسهم. لكن إذا أُغلق بابٌ، فتح الله برحمته سبعين، فلا تيأس ولا تقنط وتفتح هذه الأبواب من حيث لم تكن تحتسب ولا تتوقع، ها هي يثرب الأوس والخزرج ثانية المدينتين الكبريين في الحجاز، تنتظر أن يأتيها مصعب فاتحًا عقول أبنائها لدين الله، وقلوبهم للرحمة ليصبحوا بنعمته إخوانا بعدما كان السيف والرمح هو الذي يربط بينهم.
--> 166 ) الذهبي، شمس الدين: سير أعلام النبلاء ط الرسالة ١/١٤٨ 167 ) تعرضنا بشكل مفصل للحادثة عند الحديث عن أبي طالب في كتابنا: أعلام من الأسرة النبوية. 168 ) السهيلي؛ عبد الرحمن: الروض الأنف في شرح السيرة النبوية ت الوكيل ٤/٩٧