فوزي آل سيف

57

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

لقاء أسعد بن زرارة مع رسول الله: لقد نقل المرحوم الشيخ الطبرسي في كتابه إعلام الورى بأعلام الهدى، عن تفسير علي بن ابراهيم القمي الخبر الذي يتبين منه ما قام به مصعب بن عمير من حكمة في فتح المدينة بالقرآن، وإسلام أهلها على يديه، وأن هذا الشاب الواعي الذي كان محل ثقة النبي صلى الله عليه وآله، قد صدق تلك الثقة وحسن ظن النبي صلى الله عليه وآله به. وبالرغم من طول الخبر إلا أننا سننقله بنصه من الكتاب المذكور: " قدم أسعد بن زرارة، وذكوان بن عبد قيس في موسم من مواسم العرب، وهما من الخزرج، وكان بين الأوس والخزرج حرب قد بقوا فيها دهرًا طويلًا، وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار، آخر حرب بينهم يوم بعاث، وكانت للأوس على الخزرج، فخرج أسعد بن زرارة وذكوان إلى مكة في عمرة رجب يسألون الحلف على الأوس، وكان أسعد بن زرارة صديقًا لعتبة بن ربيعة (الأموي)، فنزل عليه فقال له: إنه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناك نطلب الحلف عليهم. فقال له عتبة: بعدت دارنا من داركم ولنا شغلٌ لا نتفرغ لشيء. قال: وما شَغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم؟ قال له عتبة: خرج فينا رجلٌ يدعي أنه رسول الله، سفه أحلامنا، وسب إلهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا. فقال له أسعد: من هو منكم؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، من أوسطنا شرفًا، وأعظمنا بيتًا. وكان أسعد وذكوان وجميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم - النضير وقريظة وقينقاع -: أن هذا أوان نبي يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة، لنَقتُلنكم به يا معشر العرب. فلما سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمع من اليهود، قال: فأين هو؟ قال: جالسٌ في الحِجر، وإنهم لا يخرجون من شعبهم إلا في الموسم، فلا تسمع منه ولا تكلمه فإنه ساحر يسحرك بكلامه. وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب. فقال له أسعد: فكيف أصنع وأنا معتمر، لا بد لي أن أطوف بالبيت؟ قال: ضع في أذنيك القطن. فدخل أسعد المسجد وقد حشا أذنيه بالقطن، فطاف بالبيت ورسول الله صلى الله عليه وآله جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة فجازه، فلما كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل مني، أيكون مثل هذا الحديث بمكة فلا أتعرفه حتى أرجع إلى قومي فأخبرهم؟ ثم أخذ القطن من أذنيه ورمى به وقال لرسول الله صلى الله عليه وآله: أنعِمْ صباحًا. فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه إليه، وقال: (قد أبدلنا الله به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة السلام عليكم). فقال له أسعد: إن عهدك بهذا لقريب، إلى ما تدعو يا محمد؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأدعوكم إلى (أَلَّا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا وَلَا تَقتُلُوا أَولَادَكُم مِن إِملَاقٍ نَحنُ نَرزُقُكُم وَإِيَّاهُم وَلَا تَقرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقتُلُوا النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ ذَلِكُم وَصَّاكُم