فوزي آل سيف
43
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
بالرغم من هذا فإنّ سلمان قد اتخذ موقف الإمام علي عليه السلام وهو ما عبر عنه فيما بعد بقوله: "والله لأسالمنَّ ما سلمت أمور المسلمين"، وكان هذا الموقف موقف النفس الكبيرة المتعالية على الصراعات لصالح بقاء الدين وعزة الإسلام، وفهم منه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذين كانوا مع الإمام علي عليه السلام أنه لا ينوي التصعيد مع الخط القرشي، ولا الدخول في حرب أهلية لا تبقي ولا تذر للإسلام شيئاً. وانفتح بذلك خط في اتجاهين، من الخلافة نحو أصحاب عليٍّ وشيعته بأن استعانت بهم في بعض الولايات وقيادة الجيوش والافتاء، والاتجاه الآخر من أصحاب عليِّ وشيعته بترك المقاطعة والاقبال على التعاون قدر الإمكان، فشهدنا مشاركة هؤلاء في قيادة الجيوش و(فتح) البلدان وإدارة بعضها الآخر. وضمن هذا الإطار شارك سلمان في بعض فتوحات فارس، وقد استفادوا منه في الترجمة فكان يذهب لبعض الحصون كحصن (بلنجر) ويكلمهم بلغتهم فاستجاب له البعض. وهذا ما نقله - في وقت متأخر- زهيرٌ بن القين البجلي فإنه بعد أن دعاه الإمام الحسين عليه السلام إلى نصرته في طريقه إلى كربلاء أنه قال لأصحابه: "..كنا قد غزونا بلنجر ومعنا سلمان[124]فلما رآنا ورأى فرحنا بالغنائم، فقال لنا:" كونوا إذا رأيتم سبط رسول الله وأدركتموه في أرض نينوى وقُـتِـلـتم بين يديه أشد فرحاً من فرحكم بهذه الغنائم"، ونلاحظ أن هذا الكلام قد أثَّر في زهير لكن بعد فترة طويلة، فلهذا نقول لكل مؤمن: قُل الحق! وحرّض على الخير، وازرعْ المعروف بالكلمة الطيبة والفعل الحسن، لعله يعطي ثماره في يوم من الأيام كما حدث لزهير. سلمان واليًـا على المدائن كان موقع سلمان المحمدي بين الصحابة مهما جداً ومتميزاً، ولقد بينت الأحاديث التي ذكرناها آنفًا، جانبًا من هذا الموقع، وهذا ما جعل مؤسسة الخلافة الرسمية تتطلع إلى استقطابه،[125]فانتخبه الخليفة الثاني واليًا على المدائن وهي منطقة واسعة ومهمة من الناحية الجغرافية والاستراتيجية، ولعل قربها من الدولة الفارسية وكونها بوابة العرب على تلك الدولة كانت تقتضي وجود شخص عارف باللغة والثقافة الفارسية بالإضافة إلى نزاهته الدينية وكفاءته الادارية. وعندما تم تعيينه واستخبر الناس أن واليهم الجديد مقبل إليهم، خرجوا في صورة احتفالية لاستقباله كما هو المعهود في هذه الحالات، وانتظروا أن يأتي (موكب) الوالي، وإذا بهم يرون رجلًا يركب ظهر حمار وعليه ملابس متواضعة قد أقبل! فجاؤوا يسألونه إن كان قد رأى الوالي في طريقه أو لا؟ فأجابهم: إن كانوا يسألون عن الوالي فلا يعلم به وإن كانوا يسألون عن سلمان المحمدي فهو راكب الحمار ذاك! وحين أرشدوه إلى قصر الامارة وهو الذي يقتتل بعض الناس للوصول إليه، ويريقون دماء الأبرياء من أجل السيطرة عليه! رفض سلمان أن يسكنه، وقال لهم إنه يبني بيته بنفسه، وكان سلمان معروفاً بالزهد. فبنى له بيتًا متواضعًا (لكي لا يتبيغ بالفقير فقره) كما قال أمير المؤمنين عليه السلام. وبالرغم من أنه كان له راتب مقرر من بيت المال باعتباره الوالي، إلا أنه كان يعمل أيضاً في (سَفّ الخوص) ويبيعه ويأكل من ذلك، بينما يصرف على الفقراء والمحتاجين ما كان مقرراً له. سلمان يتزوج في المدائن:
--> 124 ) البعض ذكر أنه الباهلي دون الفارسي، وقد ذكرنا في كتابنا: أنا الحسين بن علي؛ أن الصحيح هو سلمان المحمدي (الفارسي). 125 ) قد بينا في كتابنا أعلام من الأسرة النبوية عند الحديث عن عبد الله بن عباس الأسباب التي جعلت الخليفة عمر يستعين بغير واحد من أصحاب أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام في قيادة الجيوش والتولي على المناطق والافتاء، بل حتى الأخذ بأحكام الإمام عليه السلام في القضاء فيما عرف عن الخليفة قوله: لولا علي لهلك عمر..