فوزي آل سيف

44

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

يظهر من بعض الروايات التاريخية أن موضوع زواج سلمان كانت تكتنفه بعض الصعوبات الناتجة عن العقلية العربية الخاضعة لفكرة تفضيل العرب على الفرس والتي يظهر أن التعاليم الإسلامية التي رفضتها لم تؤثر أثرها الكامل في قسم من المسلمين لا سيما التيار القرشي، الذي كان يعطي للقبيلة اعتباراً فوق كل الاعتبارات وللعرب على سائر الناس كذلك! ولهذا فقد تم إعادة انتاج فكرة التفضيل هذه ضمن الفقه الرسمي في مدرسة الخلفاء بعنوان "تكافؤ النسب" وصار أصلاً يعتمد عليه الفقهاء في مدرسة الخلفاء ويستدلون به وكأنه لا حاجة لأن يستدلوا عليه! ولهذا بقي سلمان الذي ورد فيه ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله مما سبق ذكره، بقي فارسيًّا لا يزوَّج ولا يكافِئ العربيَّ مهما علت منزلته عند الله وعظم شأنه عند رسول الله صلى الله عليه وآله. وتنقل الروايات - من مصادر الامامية أو مصادر مدرسة الخلفاء - أن سلمان خطب امرأة فرُدَّ، تارة مع إغفال الراد والمخطوبة، وأخرى مع ذكرها. وسواء تعددت الحادثة كما ليس ببعيد أو اتحدت فهي تشير إلى هذا المعنى الذي ذكرناه. ففي بعض هذه الروايات أنه خطب قرشية فرُدَّ فلما تراجع المخطوب منه لم يقدم سلمان، وقال إنه إنما أراد ان يمتحن الرجل في تخليه عن أفكاره قبل الإسلام، وفي بعضها الآخر أن أبا الدرداء ذهب إلى أسرة وخطب له امرأة منها وأخذ يذكر أوصافه ومناقبه فرفضوا ذلك، وقالوا: إن أردت أنت زوجناك دونه! وفي غيرها بغير هذه الصياغة ويذكر ابن الصلاح في كتابه هذه الرواية قائلا: وروي أن سلمان الفارسي خطب إلى عمر بن الخطاب ابنته فأنعم له عمر فكره ذلك عبد الله بن عمر، فلقي عمرو بن العاص فأخبره بذلك، فقال أنا أكفيك هذا فلقي سلمان فقال له عمرو: هنيئًا لك! فقال بماذا؟ فقال: تواضع لك أمير المؤمنين، فقال سلمان: ألمثلي يُتواضَع؟ والله لا تزوجتها أبدًا. [126] وأخيرا تزوج سلمان امرأة من كندة، فلما كان ليلة البناء عليها، جلس عندها فمسح بناصيتها ودعا لها بالبركة، وقال لها: أتطيعيني فيما آمرك؟ قالت: جلستُ مجلس المطيع، فقال: فإن خليلي صلى الله عليه وآله أوصاني إذا اجتمعت إلى أهلي، أن اجتمع على طاعة الله عز وجل فقام وقامت إلى المسجد فصلّيَا ما بدا لهما، ثم خرجا إلى منزلهما فقضى منها ما يقضي الرجال من النساء، فلما أصبح غدا عليه أصحابه وقالوا: كيف وجدت أهلك؟ فأعرض عنهم، ثم قال: إنّما جعل الله الستور والخدور والأبواب لتواري ما فيها، حسب امرئ منكم أن يسأل عما ظهر له، فأما ما غاب عنه فلا يسألن عن ذلك، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " التحدث عن ذلك كالحمارين يتَشامّان في الطريق".[127] وفي هذا تعليم أخلاقيٌّ عالٍ؛ فإن بعض الناس يريدون أن يظهروا أمام الآخرين بالفحولة أو السيطرة أو ما أشبه ذلك، مما يكشف عن نقص فيه فيتظاهر أمام الآخرين بمثل هذه الأمور، وهذا بالإضافة إلى أنه معيبٌ أخلاقيًّا قد لا يخلو من إشكالٍ شرعيٍ إذا انتهى إلى أذية الزوجة بخروج أمورها الخاصة بين أصدقاء زوجها! وهو خلاف الأمانة، والتشبيه فيه من النبي صلى الله عليه وآله بأن من يفعل ذلك هو كالحمار الذي لا محذور لديه في أن يبدأ في مقدمات النزو على أنثاه الأتان على قارعة الطريق! غاية الأمر هذه صورة واقعية وما يفعله ذلك الرجل من الوصف صورة وصفية!

--> 126 (ابن الصلاح؛ شرح مشكل الوسيط ٣/‏٥٧٨ 127 ) النوري؛ ميرزا حسين: نفس الرحمن في فضائل سلمان / ٥٥٩