فوزي آل سيف
31
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
الله عليه وآله أنف كبريائها ويحطم جبين جبروتها، فيعلن دعوته لله تعالى مسفّهًا آراء كبارها ومستقطِبًا عقول شبابها، محميًّا بشخصية عمه مؤمن قريش أبي طالب، ثم يخرج إلى المدينة المنورة موسّعًا آفاق دعوته، ومنشئًا دولة ستكون هي الآمرة الناهية، وأصعب من ذلك خروج باقي المسلمين من تحت قبضتهم بالهجرة السرية تارة، وبالعلنية الصريحة كالتي فعلها علي بن أبي طالب أخرى، لكي يكسر حاجز الرعب القرشي في نفوس الناس، ويبين لهم أنّ بيت قريش لهو أوهن من بيت العنكبوت. وحصل للقرشيين فرصة الانتقام لنفسها، ومبرر للقتال عندما أرسل أبو سفيان وكان على رأس قافلة تجارية حاول المسلمون اعتراضها، خبر الاعتراض ذاك، ومع أن أبا سفيان غير طريقه واستطاع الوصول إلى مكة بها، إلا أن الاستعدادات للقتال بدأت بما عبر عنه أبو جهل بن هشام بقوله " نرد بدراً، فنقيم بها ثلاثاً فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً"، ولما وصلت أخبار استعداداتهم للمدينة جمع النبي صلى الله عليه وآله المسلمين، ليستشيرهم في الأمر، تعليماً لهم في ذلك وأن لا يستبدوا في آرائهم لا سيما عندما يكون بعضهم رئيساً ويكون القرار الذي يراد اتخاذه متصلاً بالشأن العام. ومن جهة أخرى فإن الجمع الأكثر لما كان من الأنصار وكانت بيعتهم للنبي - عندما بايعوه في العقبة - ظاهره أنهم يحمونه في المدينة مما يحمون منه أهلهم، ولم يكن فيها بحسب ظاهرها قضية القتال خارج المدينة. وبعد اجتماعهم أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله، بعزم قريش وما يتجهزون له، وطلب منهم الرأي قائلاً: أشيروا[89] عليّ!، فقام عمر بن الخطاب وقال: "يا رسول الله، إنها قريش وعزها، والله ما ذلت منذ عزت ولا آمنت منذ كفرت، والله لتقاتلنك".[90] هنا تأتي الكلمة الذهبية للمقداد الكندي، لتعلمنا لماذا كان يحبه الله وتشتاق له الجنة؟ ولتضيء الطريق لمن بعده لكي يتكلم وتشق مسار الحماس والفداء، حتى لقد جعل عبد الله بن مسعود كلماته تلك أفضل من حمر النعم وتمنى لو أن هذا الموقف كان له، وحُقَّ له ذلك، قال عبد الله بن مسعود لقد شهدت من المقداد مشهداً لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما على الأرض من شيء، قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله فكان رجلاً فارساً، فقال أبشر يا نبي الله، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اذهَب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)[91] ولكن والذي بعثك بالحق لنكونن بين يديك وعن يمينك وعن شمالك ومن خلفك حتى يفتح الله عز وجل عليك.[92]وفي أسد الغابة نقل جزءا آخر من كلامه، "يا رسول الله امض لما أمرت به فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى (اذهَب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون فو الذي بعثك بالحق نبيًّا لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله خيرًا ودعا له".[93]
--> 89 ) اعتقادنا أن النبي صلى الله عليه وآله هو أكمل البشر عقلا، مع ذلك طلب منهم المشورة وإبداء الرأي، وقد يكون لذلك جهات بالإضافة إلى ما سبق ذكره، منها أن يكتشف المسلمون قيمة الأشخاص ومدى جديتهم في نصرة النبي ودينه، ولا ينخدعوا ببعض الاعتبارات والأسماء، وكانت مواقف المقداد وكلماته وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة قد كشفت عن ثمين عنصرهم وقوة عزيمتهم. 90 ) الذهبي، شمس الدين: سير أعلام النبلاء ط الرسالة ١/٣٤٦؛ يلحظ الباحثون أنّ هذا الكلام وكلام الخليفة الأول لم يكن صحيحًا كواقع ولا مناسبًا كتوقيت، أما كونه غير صحيح فقد كانت قريش أذل الفئات في ذلك الوقت بالقياس إلى امبراطوية الروم والفرس وكانت تعيش على فتاتهما، وتستجدي الحماية منهما وقد عبرت الزهراء عليها السلام عن حالة قريش بقولها (وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب ونهزة الطامع وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام تشربون الطَّرَق وتقتاتون القد أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم) وأما كونه غير مناسبة توقيتًا فإنها مما يفت في عضد المسلمين المدافعين عن المدينة، وربما لهذا السبب فقد تم تخفيف وقع الكلمات بل تغييرها في كثير من المصادر، حتى انتهت إلى اختصارها بأنه فقام أبو بكر فقال وأحسن، وقام عمر فقال وأحسن!! لكن ما هو ذلك القول؟ لكن بعض المصادر احتفظت به مخففًا. 91 ) المائدة: 24 92 ) تاريخ دمشق لابن عساكر ٦٠/١٥٨ 93 ) ابن الأثير: أسد الغابة ٤/٤١٠