فوزي آل سيف

32

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

أول فارس في الإسلام، وقائد الميسرة في بدر كان المقداد، ولم تكن هي الأولى ولا الأخيرة، فقد شهد مشاهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وبمقدار ما كان يرتقي في عين رسول الله صلى الله عليه وآله ويتقدم في صفوف "النفر البيض الخماص" فقد كان يهوي في نظر التيار القرشي إلى حدّ أنهم لم يكونوا يرونه كفؤا لمصاهرتهم وهو الذي يحبه الله ورسوله وتشتاق إليه الجنة! ومن هناك فقد تمت ازاحته هو نفسه من كتب هذا التيار ليبقى في بعضها في ترجمة لا تتجاوز أحيانا صفحة واحدة! وليقرن به غيره بل يقدم عليه وهو سابع المسلمين إيمانا! بل لتكاد وأنت تقرأ ما كتب عنه في هذه الكتب تحسب أنه قد مات بعد معركة بدر! فلا تجد أثرًا له في سائر معارك النبي صلى الله عليه وآله وأما ما بعد النبي صلى الله عليه وآله فقد تم التعتيم عليها بشكل تام! كيف لا وهو قد صرح في غير موضع بمعارضته للخط الرسمي للخلافة؟ كيف لا وهو الذي اعترض على إزاحة أمير المؤمنين عليه السلام عن موقع هو الأجدر به والأليق، أمام الخليفة الأول. كيف لا يصنع به ذلك وهو الذي حين رأى أحدهم يمدح الخليفة عثمان حثا في وجهه التراب تطبيقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وآله. بلى! إنّ للمواقف ثمنها! رسول الله يزوجه ابنة عمته! في الوقت الذي كان ينسجم أكثر فأكثر مع خط أهل البيت ومع سيدهم عليٍّ عليه السلام، كان الخط القرشي ينفصل عنه بل ويحاصره حتى لقد استُكثر عليه أن يكون كفؤا لابنة أحدهم! مع أن المسلم كفو المسلمة. لقد رفض عبد الرحمن بن عوف أن يزوجه ابنته مع ما قدمنا من ذكر في فضله! ذكر هذه الحادثة بشكل شبه صريح ابو القاسم البغوي في كتابه معجم الصحابة، بينما عَمّى على الاسم وعلى تفاصيل الحادثة، أكثرُ من كتبها من خط الخلفاء، كابن سعد في الطبقات الذي ذكرها بأسطر قليلة من غير ذكر لاسم عبد الرحمن بن عوف! فضلاً عن تفاصيل مهمة تكشف عن شيء من المواجهة بين الطرفين بل الخطين: " كان عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود جالسين يتحدثان، فقال له عبد الرحمن: ما يمنعك أن تزوَّج؟ فقال له المقداد: زوجني ابنتك! قال: فأغلظ -ابن عوف- له وجبهه! فسكت المقداد، قال ولم يكن يصيب أحد منهم غمٌّ ولا غيظٌ ولا فتنةٌ إلا شكا إلى رسول الله ﷺ قال: فقام المقداد فأتى رسول الله ﷺ فنظر إليه رسول الله ﷺ فعرف الغمَّ في وجهه. قال: ما شأنك يا مقداد؟ قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إنّي كنت عند عبد الرحمن بن عوف آنفًا جالسًا فقال لي: ما يمنعك يا مقداد أن تزوج؟ فقلت: زوِّجني أنت ابنتك فأغلظ لي وجبهني! فقال رسول الله: ولكني أزوجك ولا فخر! فزوجه ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، قال :ثابت وكان لها من الجمال والعقل والتمام مع قرابتها من رسول الله".[94] تكافؤ النسب أو"ليتضع النكاح"؟ هل كان المقداد جاداً في طلبه الزواج من ابنة عبد الرحمن بن عوف؟ هناك احتمالان:

--> 94 ) البغوي؛ أبو القاسم: معجم الصحابة ٥/‏٢٩٢، وهذه الحادثة بهذه التفاصيل المهمة اختصرها ابن سعد في الطبقات 3/ 162، بهذين السطرين: أنَّ المِقدادَ بنَ عَمرٍو خَطَبَ إلى رَجُلٍ مِن قُرَيشٍ فَأبى أن يُزَوِّجَهُ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله: «لَكِنِّي أُزَوِّجُكَ ضُباعَةَ ابنَةَ الزُّبَيرِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ"!.