فوزي آل سيف

128

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

أبو أيوب في دولة الإمام علي عليه السلام لم تقتصر أدوار أبي أيوب الأنصاري في نصرته عليّاً عليه السلام على ميادين الحرب والقتال وإن عظمت وجلت بلك كان له في ميادين السلم والحضور الاجتماعي أدوار لا تقل عنها، فها هو يقوم في أول من استشهدهم أمير المؤمنين عليه السلام على حديث الغدير، وكان هذا الأمر ضروريّاً فإن تحقيق التواتر للحديث طبقة بعد طبقة يكون بهذا وأمثاله، بالإضافة إلى أن الجيل الجديد من أبناء الصحابة، حيث مر على حادثة الغدير نحو من عشرين سنة من الزمان، وباعتبار أن هذا الجيل كان في الكوفة وهي من الناحية الجغرافية بعيدة عن موقع الحدث قرب مكة، وعن تداول الحديث كما في المدينة، فاقتضى ذلك لتأكيد الخبر وروايته جيلاً بعد جيل، أن يستنشدهم إياه ويطلب منهم قراءته وهذا ما حصل: "فعن الأصبغ بن نباتة، قال: نشد عليّ الناس في الرحبة من سمع النبي صلى اللَّه عليه وآله يوم غدير خم ما قال إلا قام، ولا يقوم إلا من سمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله يقول، فقام بضعة عشر رجلاً فيهم أبو أيوب الأنصاري، وأبو عمرة بن عمرو بن محصن، وأبو زينب، وسهل ابن حنيف، وخزيمة بن ثابت، وعبد اللَّه بن ثابت الأنصاري، وحبشي بن جنادة السلولي، وعبيد بن عازب الأنصاري، والنعمان بن عجلان الأنصاري، وثابت بن وديعة الأنصاري، وأبو فضالة الأنصاري، وعبد الرحمن بن عبد رب الأنصاري، فقالوا: نشهد أنا سمعنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول: « ألا إن اللَّه عز وجل وليّي وأنا وليّ المؤمنين، ألا فمن كنت مولاه فعلى مولاه، اللَّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وأعن من أعانه».[382] ولإخلاص أبي أيوب ورؤيته الواضحة فقد جعله أمير المؤمنين عليه السلام والياً على مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وبقي فيها إلى ما بعد صفين حيث بدأ معاوية بن أبي سفيان يجهز الغارات والحملات العسكرية على مناطق حكم الإمام علي ويهاجم أهلها ويرعبهم[383]، وقد انتخب له رجلاً شرساً لم يعرف سوى طعم الجريمة ولم يلتذ بغير الدماء وهو بسر بن أرطاة.. فصار هذا إلى الإغارة على المدينة ومكة بما يشبه هجمات داعش في هذه الأيام، بعناصر متعطشة للغنيمة والدماء، وكانوا لا يواجهون في معركة معلنة وإنما يباغتون المنطقة المستهدفة وهي غير مستعدة فيعملون فيها القتل والسلب، وكان أحد أهدافهم قتل ولاة الإمام ومن ناصروه من أعيان أصحابه، ولا ريب أن أبا أيوب هو أحد أهدافهم! فلما هاجموا المدينة على حين غِرّة استطاع أبا أيوب النجاة منهم والاختباء حتى حين. أبو أيوب في زمان معاوية بن أبي سفيان آل الأمر إلى معاوية بعد أن كان في يد أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا مما يزهد المؤمن في الدنيا، وأصبح بنو أمية "خلفاء" النبي!! ومرت وصايا النبي صلى الله عليه وآله في شأنهم وأنهم إذا بلغوا ثلاثين اتخذوا مال الله دولاً وعباده خولاً والمؤمنين حرباً والكافرين حزباً.. وأوامره في أنهم إذا رأوا معاوية على منبره فليقتلوه، ذهب كل ذلك أدراج الرياح!

--> 382 ) أسد الغابة (دار الفكر)، ج ٣، ابن الأثير، ص ٣٦٦ ولا يخفى أن بعض الأسماء تحتاج إلى تدقيق وليس هذا مجاله. 383 ) أنساب الأشراف للبلاذري ٢/‏٤٥٤ هكذا كانت سياستهم كما ورد في أمر معاوية لبسر ".. واقتل كُلّ من كانَ فِي طاعة عليّ إذا امتنع من بيعتنا، وخذ ما وجدت لهم من مال. فلما دخل بسر المَدِينَة أخاف أهلها وقالَ: إن بلدكم كانَ مهاجر نبيكم ومحل أزواجه والخلفاء الراشدين بعده، فكفرتم نعمة اللَّه عليكم ولم تحفظوا حق أئمتكم حَتّى قتل عُثْمان بينكم فكنتم بين خاذل لَهُ ومعين عَلَيْهِ، ولم يزل يرهبهم حَتّى ظنوا أنه موقع بهم، ثُمَّ دعا النّاس إلى بيعة مُعاوِيَة فبايعه قوم وهرب منه قوم فهدم منازلهم. وكانَ عامل علي عَلى المَدِينَة يومئذ أبا أيوب خالد بْن زيد الأنْصارِيّ فتوارى..