فوزي آل سيف

129

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

وصار بإمكان مروان بن الحكم الذي كان ملعوناً على لسان رسول الله مطروداً من مدينته! أصبح هو والي المدينة الآمر الناهي فيها والذي يقيم صلاة جماعتها وعيدها ويحكم في خيارها وأطهارها!! بل ويعلم مثل أبي أيوب ما يجوز وما لا يجوز وما يصح وما لا يصح!! نعم هكذا قالوا.. أقْبَلَ مَرْوانُ يَوْمًا فَوَجَدَ رَجُلاً واضِعاً وجْهَهُ عَلى القَبْرِ،[384]فَأخَذَ بِرَقَبَتِهِ وقالَ: أتَدْرِي ما تَصْنَعُ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِ فَإذا هُوَ أبُو أيوب الأنصاريُّ، فَقالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ولَمْ آتِ الحَجَرَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله، يَقُولُ: «لا تَبْكُوا عَلى الدِّينِ إذا ولِيَهُ أهْلُهُ، ولَكِنِ ابْكُوا عَلَيْهِ إذا ولِيَهُ غَيْرُ أهْلِهِ".[385] وكان هذا الكلام الأخير الذي نقله أبو أيوب عن رسول الله صلى الله عليه وآله يعبر بأحسن ما يمكن عن موقفه تجاه الحكم الأموي والمرحلة الجديدة في تاريخ الإسلام. أصبح الآن أبو أيوب الأنصاري الذي كان مضيف رسول الله صلى الله عليه وآله، ووالي علي بن أبي طالب على المدينة والمقاتل في صفوفه، ومن جمع القرآن حفظا ومعرفة.. تحت حكم مروان بن الحكم (يأمره) بما يصلح وينهاه عما لا يصلح!! كيف شارك في جيش القسطنطينية؟ يقول المؤرخون[386]إنّ معاوية جهز جيشاً لقتال الروم وجعل ابنه يزيد مع ذلك الجيش، وأن هذا الجيش كان فيه عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وكان منهم أبو أيوب الأنصاري الذي استشهد في ذلك المسير الجهادي ودفن خارج أسوار القسطنطينية (اسطنبول حالياً)، مع تفاصيل كثيرة. ويأتي السؤال عريضاً كيف لأبي أيوب أن يشارك في هذا الجيش وهو صاحب المواقف المعروفة من معاوية، ومن يزيد تحديداً حيث نصح معاوية ألّا يستخلف يزيد[387]وهذا كان قبل تجهيز ذلك الجيش فكيف يكون تحت قيادته وقد كان يراد من قيادة يزيد للجيش ذاك اعداده للخلافة؟ والجواب: تارة يكون في تحقيق أصل قيادة يزيد للجيش وصحة ذلك، وهو محل نقاش بين الباحثين بالرغم من أن أصحاب الاتجاه الأموي تمسكوا بهذه الفكرة وكأنها آية منزلة، لأنها تبرر ليزيد ما سيرتكب من جرائم وتظهره بمظهر القائد الفاتح الحريص على نشر الإسلام، ونسبوا للنبي صلى الله عليه وآله حديثاً بأن الجيش الذي يغزو القسطنطينية مغفور لهم! وهذا موضوع تاريخي تم بحثه والتفصيل فيه من باحثين لمن أراد المراجعة.[388]

--> 384 ) الاتجاه المعارض لتعظيم النبي وتوقيره حيا وميتا هو الاتجاه الاساس لدى الأمويين ولم يقتصر الأمر على أبي أيوب 385 ) الحاكم، أبو عبد الله: المستدرك على الصحيحين ٤/‏٥٦٠ 386 ) ابن الأثير، أبو الحسن: الكامل في التاريخ ٣/‏٥٦ ذِكْرُ غَزْوَةِ القُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ 49 وقِيلَ: سَنَةَ خَمْسِينَ، سَيَّرَ مُعاوِيَةُ جَيْشًا كَثِيفًا إلى بِلادِ الرُّومِ لِلْغَزاةِ وجَعَلَ عَلَيْهِمْ سُفْيانَ بْنَ عَوْفٍ وأمَرَ ابْنَهُ يَزِيدَ بِالغَزاةِ مَعَهُمْ، فَتَثاقَلَ واعْتَلَّ، فَأمْسَكَ عَنْهُ أبُوهُ، فَأصابَ النّاسُ فِي غَزاتِهِمْ جُوعٌ ومَرَضٌ شَدِيدٌ، فَأنْشَأ يَزِيدُ يَقُولُ: ما إنْ أُبالِي بِما لاقَتْ جُمُوعُهُمُ … بِالغَزْقَذُونَةِ مِن حُمّى ومِن مُومِ إذا اتَّكَأْتُ عَلى الأنْماطِ مُرْتَفِقًا بِدَيْرِ مُرّانَ عِنْدِي أُمُّ كُلْثُومِ وأُمُّ كُلْثُومٍ امْرَأتُهُ، وهِيَ ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ. فَبَلَغَ مُعاوِيَةَ شِعْرُهُ فَأقْسَمَ عَلَيْهِ لَيَلْحَقَنَّ بِسُفْيانَ إلى أرْضِ الرُّومِ لِيُصِيبَهُ ما أصابَ النّاسَ، فَسارَ ومَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ أضافَهُمْ إلَيْهِ أبُوهُ، وكانَ فِي هَذا الجَيْشِ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ الزُّبَيْرِ وأبُو أيوب الأنْصارِيُّ وغَيْرُهُمْ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ زُرارَةَ الكِلابِيُّ، فَأوْغَلُوا فِي بِلادِ الرُّومِ حَتّى بَلَغُوا القُسْطَنْطِينِيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ يَزِيدُ والجَيْشُ إلى الشّامِ وقَدْ تُوُفِّيَ أبُو أيوب الأنْصارِيُّ عِنْدَ القُسْطَنْطِينِيَّةِ فَدُفِنَ بِالقُرْبِ مِن سُورِها، فَأهْلُها يَسْتَسْقُونَ بِهِ.. 387 ) في تاريخ دمشق: 43 / 319: وقال له أبو أيوب الأنصاري: إتق الله ولا تستخلف يزيد! قال: أمرؤ ناصح وإنما أشرت برأيك، وإنما هم أبناؤهم فابني أحب إليَّ من أبنائهم! 388 ) الكوراني؛ الشيخ علي: جواهر التاريخ - سيرة الإمام الحسن (ع) وتسلط بني أمية ومواجهة أهل البيت (ع) لخططهم3/ 323 نسخة الكترونية / من موقع المؤلف.