فوزي آل سيف
119
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
البحور الطوامي، ما أدى في ذلك كل الذي يجب عليه من حق الإمام عليه السلام، حتى لقد تمنى الإمام أن يكون له في جنده من هذا النموذج مائة رجل. ولم يكن مقامه في صفين والنهروان بأدنى مما صنع في الجمل، كيف وهو يسابق الزمن في أداء حق أمير المؤمنين عليه السلام؟ لقد كان يتمنى الشهادة في ركابه لكن أمير المؤمنين عليه السلام أشار إليه إلى أن ذلك لا يتحقق في زمانه بل بعده " يا عمرو إنك لمقتول بعدي، وان رأسك لمنقول، وهو أول رأس ينقل في الإسلام. والويل لقاتلك".[351] لم تتم سعادة عمرو في خدمة سيده علي بن أبي طالب، إذ كان سيف الجبن الخارجي، الذي لم يواجه عليّاً في المعركة وجهًا لوجه، ينتظره غيلة في المسجد مع طلوع الفجر، فهوت بصاحبه شهوة لامرأة، لكي يضرب عليًّا عليه السلام على رأسه ساجدًا عابدًا لله. ويبلغ التأثر أقصاه بعمرو بن الحمق وهو يرى سيد الأوصياء مشقوق الهامة على فراشه، ولم يكن يراه إلا في مقدمة الصفوف معركة وصلاة، فيحاول مغالبة الأسى والحزن ويتمسك بأهداف الأمل والرجاء ويقول:" ليس عليك بأس، إنما هو خدش فقال الإمام: لعمري إني مفارقكم "[352]، وما لبث أن غادر الإمام عليه السلام هذه الدنيا غير آسفٍ عليها، متشوقاً إلى الآخرة راغبًا فيها. عمرو بن الحمق في زمان الإمام الحسن المجتبى: إذا كان الإمام الحسن بن علي عليهما السلام قد احتاط لأصحاب أبيه وأنصاره، فجعل في بنود الصلح بنداً يقضي بعدم متابعتهم من قبل السلطة الرسمية، لكي لا تستغل السلطة الأموية سيطرتها على الأمور فتأخذ أتباع علي وشيعته على الظنة وتقتلهم بالتهمة، وقد نفع هذا الاشتراط - بالإضافة إلى وقوف الإمام الحسن عليه السلام وراءه - ولذلك لم تشهد السنوات العشر التي أعقبت توقيع الصلح انتهاكًا من هذا القبيل لحياة أتباع أمير المؤمنين عليه السلام، لكن ما أن تم اغتيال الإمام الحسن على يد زوجته بالسم بتخطيط معاوية بن أبي سفيان حتى كرت سبحة الاغتيال والمطاردة لهم. وكان أقل مستوى من المعارضة كفيلًا بأن يعرض صاحبه للأذى وأحيانا للقتل، وهذا ما حصل مع حجر بن عدي الكندي الذي رفض تأخير زياد بن أبيه للصلاة عن وقتها حتى كادت تغيب الشمس، فقام وصرخ في وجهه وهو يخطب بما لا منفعة فيه، مؤخِّرًا الصلاة عن وقتها، وصلى وقام معه غيره وبدأوا بالصلاة الأمر الذي اعتبره زياد عصيانًا ومعارضة وأراد القبض على حجر بن عدي! وكان ممن ناصر حجراً في حركته تلك ونهض معه عمرو بن الحمق، فلما فرغ زياد من القبض على حجر بن عدي وأصحابه لتسييرهم إلى معاوية في الشام، التفت إلى من ناصره وكان عمرو بن الحمق على رأس القائمة، فطلبه زياد، وما كان عمرو بالسهل غير الممتنع، بل اختفى أول أمره عن الناس، ثم انطلق مع صاحب له إلى المدائن، ثم مضيا إلى الأنبار ثم إلى الموصل. وكان على الموصل عبد الرحمن بن أم الحكم أخت مُعاوِيَة، وهو الذي قتل عليٌّ جدَّه عثمان الثقفي يوم حنين، وهو يعلم بأن عمْراً هو مطلوب زياد ومن خلفه معاوية، فلم يرى هذا الوالي شيئاً يمكن أن يعزز مكانته أكثر من القبض عليه أو قتله! فجرد عليهم
--> 351 ) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة٢/ ٢٩٠ 352 ) الحر العاملي: إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات ٣/ ٤٨٨