فوزي آل سيف

120

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

فرقة عسكرية، وقيل إنه كان معه بالإضافة إلى رفاعة بن شداد،[353]مولاه زاهر[354]بن عمرو الأسلمي الكندي وهو الذي سيكون فيما بعد من شهداء كربلاء. وفيما اعتصموا بجبل مختبئين فيه من الطلب، كانت الفرقة العسكرية التي جاءت لاعتقاله تتأهب للقبض عليهم جميعاً، وقيل هنا بأن عمراً طلب من زاهر أن يرحل عنه، وأن ينجو بنفسه حتى إذا خف الطلب عليه، يأتي فيما بعد ليواري جنازته فإن القوم سيقطعون رأسه - تماماً كما أخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام- وسيتركون جنازته، فليأت زاهر فيما بعد ويدفنها. هذه هي أخلاقياتهم وطريقتهم.. فإن (آية النار) لا يكون حروفها غير الاغتيال والقتل للصالحين، والتعطيل لجنائزهم! وفيما أصر على البقاء معه أمره عمرو بالرحيل، وهكذا حصل وكان رامياً جيّدًا فكل من لحقه منهم رماه بسهم حتى تركوه إذ كانت بغيتهم في عمرو بن الحمق الذي وصفه النبي صلى الله عليه وآله بأنه من أهل الجنة، فقبضوا عليه وكان في ذلك الوقت يناهز الثمانين من العمر، وقطعوا رأسه وتركوا جنازته معطلة، وجاؤوا بها لواليهم. ولم ينسوا أن يكذبوا هذه الكذبة [355]، "إن عبد الرحمن كتب إلى خاله مُعاوِيَة بظفره به، فكتب مُعاوِيَة إليه: إنه يزعم أنه طعن عثمان تسع طعنات، وإنا لا نريد أن نعتدي عليه، فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان، فأخرج فطعن تسعًا مات فِي الأولى منهن أو الثانية، ثم احتز رأسه وبعث به إلى مُعاوِيَة، فهو أول رأس بعث به في الإسلام"، فَلَمّا أتى مُعاوِيَة الرَّسُول بِالرَّأسِ بعث بِهِ إلى أمرَأته آمَنَة بنت الشريد[356]وقالَ للحرسي احفظ ما تَتَكَلَّم بِهِ حَتّى تُؤَدِّيه الي واطرح الرَّأس فِي حجرها فَلَمّا اتاها الرَّسُول بِالرَّأسِ وطَرحه فِي حجرها ارتاعت لَهُ ساعَة ثمَّ وضعت يَدها على راسها ثمَّ قالَت واحزناه لصغره فِي دار هوان وضيق مجلِس سُلطان نفيتموه عني طَويلا ثمَّ اهديتموه إلى قَتِيلاً فأهلاً وسهلاً بِمن كنت لَهُ غير قالية وأنا اليَوم لَهُ غير ناسية ارجع أيها الرَّسُول إلى مُعاوِيَة وقل لَهُ ولا تطوِه أيتم الله ولدك وأوحش مِنك أهلك ولا غفر لَك ذَنبك".[357] ويظهر أن الأمر كان من الشناعة بحيث وقع محلاً للانتقاد والتثريب، وهذا واضح من كلمات الإمام الحسين عليه السلام ونظرائه، إذ كيف يقتل صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله - الذي عده النبي من أهل الجنة وهو في ذلك العمر- صبراً، وذلك بعدما أعطاه الأمان شخصياً كما في الرسالة التي نقلناها في الصفحات الماضية، فضلاً عن الأمان العام الذي أعطاه لشيعة علي بن أبي طالب وأنصاره، وأنه لا يؤاخذهم بمواقفهم (السياسية) فإذا به يلحس كل ذلك بلسان غدرته؟ ومن الطريف أن أشهر الأحاديث

--> 353 ) البلاذري؛ أنساب الأشراف ٥/‏٢٧٢: لما طلب زياد أصحاب حجر بن عدي هرب عمرو بن الحمق بن الكاهن الخزاعي ورفاعة بن شداد البجلي إلى المدائن، ثم مضيا إلى الأنبار ثم إلى الموصل، فصارا إلى جبل من جبالها مما يلي الجزيرة، فكمنا «٢» فيه، وبلغ عامل الرستاق أن رجلين كامنان فِي الجبل، فأنكر شأنهما واستراب بهما، وكان العامل رجلًا من همدان يقال له عبد اللَّه بن أبي تلعة، فصار إليهما ومعه أهل البلد، فلما انتهي إلى موضعهما خرجا إليه، فأما عمرو بن الحمق فكان مريضًا قد سقى بطنه، فلم يكن عنده امتناع فأخذ، وأما رفاعة بن شداد البجلي فكان شابًا قويًا، فوثب على فرسٍ له جوادٍ، وحمل على القوم فأفرجوا له، فخرج وخرجت الخيل فِي طلبه، وكان راميًا فجعل يرمي من لحقه فيجرحه، حتى نجا بنفسه وأمسكوا عَن طلبه، فيقال إنه قالَ لعمرو بن الحمق: أقاتل عنك، فَقالَ: انج بنفسك! 354 ) السماوي، الشيخ محمد: إبصار العين في أنصار الحسين عليه السلام 1 /173: إنّ عمرو بن الحمق لمّا قام على زياد قام زاهر معه، وكان صاحبه في القول والفعل، ولمّا طلب معاوية عمروا طلب معه زاهرا فقتل عمروا وأفلت زاهر، فحجّ سنة ستّين، فالتقى مع الحسين عليه السلام فصحبه وحضر معه كربلاء. 355 ) إننا نعتقد أن الكذب فيها مركب في الأصل والتفصيل، أما في الأصل فإننا لا نعتقد أن عثمانا الثقفي قد أرسل لمعاوية يستشيره في ذلك وإنما كانت لديه صريحة أو ضمنية بالقتل، وذلك أن عمرا قد قتل بمجرد القبض عليه، من دون أن ينتظر به أن يذهب البريد إلى معاوية ذهابا وعودة وينتظر أوامره! خاصة وأن هؤلاء الولاة يعلمون أن قتلهم لأعداء الخليفة يحظيهم ويزيد في منزلتهم! والمسارعة في قتل معارضي الخليفة يمنع الوساطات والشفاعات المحتملة ويرفع الحرج ـ لو كان ـ عن الخليفة بزعم أنه تسرع فلان فقتله ولم يرجع إلي! وهذه طريقة يسيرون عليها عادة! وكذلك فإن الكلام عن أن معاوية (العادل جدا) اقتص منه سبع طعنات بسبع! 356 ) وكان معاوية قد سجنها منذ اختفاء زوجها كوسيلة للضغط عليه ليسلم نفسه.. لتفاصيل عن موقفها وسيرتها يمكن مراجعة كتابنا: نساء حول أهل البيت عليهم السلام. 357 ) ابن بَكَّار: أخبار الوافدات من النساء على معاوية بن أبي سفيان ١/‏٥٢، ابن طيفور: بلاغات النساء ١/‏٦٤