فوزي آل سيف
109
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
وعلى منهاجه سار من اهتدى بهداه، فلم يمنعهم - كما لم يمنعه - أن غيره جاء وصار الآمر الناهي مع أنهم يعلمون أنه أحق بها من غيره، لم يمنعهم ذلك أن يساهموا في كل ما يقدرون عليه ويستطيعونه في بناء كيان الاسلام، وتصحيح الأخطاء التي يقع فيها الأمراء والقادة، والعمل الايجابي. ويظهر من بعض الروايات التاريخية أن حذيفة بقي بعد النبي صلى الله عليه وآله في المدينة فترةً من الزمان، ثم هاجر إلى الكوفة أوائل تمصيرها وأخذ يبث من روايات رسول الله صلى الله عليه وآله التي يعرفها عن آل محمد شيئاً كثيراً، وكان بعضه غريباً على سمع من يحضر إليه في حلقات مجلسه، ومن ذلك ما روى قَيْس بن الرَبيع قال: حدَّثنا أبو هارون العَبْدي، عن رَبيعة السَّعدي قال:" أتيتُ حذَيفةَ بن اليَمان فقلت له: يا أبا عبد الله، إنّنا لنتحدّثُ عن عليّ ومناقبه، فيقول لنا أهل البصرة: إنكم تُفرِطون في عليّ، فهل أنت مُحدّثي بحديث فيه؟ فقال حُذَيفة: يا ربيعة، وما تسألني عن عليّ؟ والذي نفسي بيده، لو وُضِعِ جميعُ أعمال أصحاب محمّد في كفّة الميزان، منذ بَعَث اللّه محمّداً إلى يوم القيامة، ووُضِع عملُ عليّ في الكفّةُ الأخرى، لرَجَحَ عملُ عليّ على جميع أعمالهم. فقال رَبيعة: هذا الذي لا يُقام له ولا يُقْعَد!. فقال حُذَيفة: يا لُكَع، وكيف لا يَحْمَل؟! وأين كان أبو بكرٍ وعمر وحُذَيفة وجميعُ أصحاب محمّد يوم عَمرو بن عبدِ وَدٍّ، وقد دعا إلى المبارَزة؟! فأحجَمَ الناسُ كلّهُم ما خلا علياً فإنّه بَرَز إليه فقتله الله على يديه، والذي نفس حُذَيفة بيده، لَعَمَلُه ذلك اليوم أعظمُ أجراً من أعمال أصحاب محمّدٍ إلى يوم القيامة".[322] ويتبين من نهج أحاديثه، أنه كان قد خصصها للتركيز على الخط السليم والمستقيم لولاية آل رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو غير متهم في هذا عند أحد، لأنه يعرف أن أعداء هؤلاء هم الخطوط المائلة، هم الذين كانوا يغدون المنافقين، ولهذا كان يحدثُ بأحاديث في بعض الأحيان تعظمُ على سامعيها. وبالرغم من الاعتقاد الراسخ الموجود لدى حذيفة وباقي أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام بأولويته على غيره وتقدمه عليهم في المنزلة والشأن وسائر الصفات، إلا أن ذلك كما قلنا لم يمنعهم كما لم يمنعه من المساهمة في بناء دولة الاسلام، كما كان لأصحاب أمير المؤمنين عليه السلام المشاركة في القضاء النزيه وفي الادارة المالية الصالحة وفي القيادة العسكرية للجيوش، وضمن هذا الاطار فقد شهد حذيفة بن اليمان معارك فتح ايران أيام الخليفة عمر بن الخطاب، فكان في معركة نهاوند، ولما قتل النعمان بن مُقَرِّن أمير ذلك الجيش أخذ الراية، وكان فتح هَمذان، والرَّي، والدِّيْنَور على يده، وشهد فتح الجزيرة، ونزل نصيبين، وتزوج فيها.[323] ولما كان يتمتع به من كفاءات ادارية، وأمانة واخلاص بالإضافة إلى ما كان عليه من قربه لرسول الله صلى الله عليه وآله فقد انتخب من قبل الخليفة الثاني والياً على المدائن، وبقي كذلك عليها حتى أيام الخليفة عثمان، واستمر على ولايته عليها، إلى أن بايع المسلمون أمير المؤمنين علياً عليه السلام.
--> 322 ) الحسكاني؛ الحاكم: شواهد التنزيل لقواعد التفضيل 2/ 14، والمفيد؛ محمد بن النعمان: الإرشاد 1 /103 323 ) ابن الأثير، أبو الحسن: أسد الغابة ط الفكر ١/٤٦٨