فوزي آل سيف
82
من قصة الديانات والرسل
إذا تغير الظرف أو تغير هؤلاء القوم وجاء آخرون ـ ممن يحملون نفس الاسم ـ وضيعوا الأوامر الالهية وأساؤوا، فلا معنى لمدحهم بل لا بد من تقريعهم وعتابهم! إنّ القرآن الكريم يحب العمل الصالح ويحب فاعله ويبغض العمل السيء ويبغض فاعله، قد يكون شخص اليوم محبوبا لأنه عمل عملًا صالحًا، بينما يكون في غد مبغوضا لفعله السيء، وليس بين أحد وبين الله قرابة! وفي بعض الآيات أشار القرآن الكريم إلى "سبب مدحهم أو ذمهم " فهو حين يذكر أنهم قد لعنوا يقول شارحًا؛ إن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم وأنهم كانوا لا يتناهون عن فعل المنكرات والقبائح وأنهم كانوا يتولون الكافرين ويلجؤون إليهم (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).[252] بل من البداية يحدد من هو المقصود باللعن فيقول؛ الذين كفروا من بني اسرائيل. وهذا كما تقدم لا يقتصر على اليهود أو المسيحيين بل يشمل المسلمين أيضًا، فلا يركنن أحد منهم إلى أنه ما دام اسمه (مسلم) فهو من أهل الجنة والنعيم! وإنما عليه أن يصدق ذلك بعمله فما أكثر الإدعاء وأقل الحقائق! ولعل هذا ما يشير اليه ما ورد عن الامام الحسن بن علي عليه السلام، عندما أخبره أحدهم ـ مفتخرا ـ أنه من شيعته ـ قال له: ".. فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبة شريفة لست من أهلها لا تقل لنا: أنا من شيعتكم، ولكن قل: أنا من مواليكم.. ".[253] 2/ يوصي القرآن الكريم بالتعامل مع أهل الكتاب - ومنهم اليهود - بالتي هي أحسن "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).[254] هذا تأكيد خاص مع أن التوجيه العام للقرآن الكريم أن يكون الجدال مع الجميع بالتي هي أحسن،[255]إلا أن هنا تخصيصًا بأكثر من جهة فهو أولا عبر عنهم بأنهم أهل الكتاب وهو عنوان احترام مثل أن تقول (المثقفون في هذا الزمان)، فهو يعلمنا كيف نحترم الآخرين على مستوى السلوك والمخاطبة إلا الظالمين المعتدين منهم، بل لعل هناك فكرة أخرى أيضًا وهي أن بيننا ـ المسلمين ـ وبينكم ـ اليهود ـ مشترَكًا مهما وهو أننا معا أصحاب كتاب سماوي، فأنتم أهل كتاب ونحن أهل كتاب، نعم كتابكم انتهت صلاحيته في زماننا. وأيضًا فإنه عندما يقول "أهل الكتاب" فإنه يعظم شأن المعرفة، فإنه كان يوجد لديكم طريق للمعرفة الالهية الصحيحة، والهداية الربانية، وكان حجة عليكم، بينما لم يكن لسواكم ذلك ولهذا كانوا من الأميين ـ غير العارفين ـ وهذا يعني أنكم أولى من أولئك (الأميين) بالإيمان والاعتقاد بالقرآن.
--> 252 المائدة: 78- 79 253 الري شهري، الشيخ محمد: ميزان الحكمة 6 /110 254 العنكبوت: 46 255 ) ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل: 125