فوزي آل سيف

81

من قصة الديانات والرسل

في منظر متحرك بل لكأنك تعيش أجواءها! لكننا لا نجد شيئا من ذلك في التوراة وكأنها أحد الدساتير والقوانين الوضعية المادية أو كتب القصص التاريخية التي لا ترتبط بالمستقبل!. وهذا ما أشار إليه المرحوم البلاغي، حيث قال في كتابه الهدى إلى دين المصطفى " وأما القيامة والآخرة والثواب والعقاب فيهما، فلم تذكر التوراة الرائجة فيها شيئا أصلًا حتى أن إهمال ذلك بالكلية في مقامات الوعد والوعيد، فلم تذكر في الوعد والترغيب إلا التنعم الدنيوي الفاني كالاستعلاء على القبائل والبركة في المزارع ونتاج البهائم والسلة والمعجنة وثمرة البطن وما أشبه ذلك، ولم تذكر في الوعد والتخويف إلا نحو اللعنة فيما تقدم ذكره، والابتلاء بالأمراض الرديئة، والقحط والذلة، وأنه يخطب امرأة، ورجل آخر يضطجع معها، ونحو ذلك، انظر (تث 28). وعلى ذلك جرى سائر العهد القديم فلم تذكر فيه القيامة والآخرة إلا في دانيال (12، 1 و2)، ولكنه نسب القيامة لكثير من الموتى الراقدين وهذا خلاف حقيقتها"[247]. - الموقف الإسلامي تجاه اليهود (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)[248] تتناول هذه الصفحات الموقف الإسلامي الذي يقرره القرآن من اليهود، بالطبع بعيدًا عن الموضوع السياسي المرتبط بقضية فلسطين، فهذا محل بحثه المناقشات السياسية وهي ليست مد نظرنا. ونلخص هذا الموقف ضمن النقاط التالية: 1/ إن القرآن الكريم وهو الأساس في تشكيل الموقف الإسلامي، عندما يبين موقفًا فإنه لا يكون خاضعا لعقدة مع الأسماء فيعادي اليهود مثلا على طول الخط لأن اسمهم يهود، أو يؤيد المسلمين دائمًا لأن اسمهم (المسلمون)، وإنما ينظر إلى الحقائق فلربما تسمى شخص أو مجتمع بأنه ابن الله، والشعب بأنه شعب الله ولكن حقيقته هي حقيقة العداوة لله وأوليائه.. فماذا تنفعه تلك التسمية؟ وهذا لا يخص اليهود أو النصارى بل يشمل حتى المسلمين فكما خاطب الله سبحانه اليهود والنصارى بقوله السابق الذكر في الآية مطالبا إياهم بالبرهان (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) كذلك فقد خاطب النبي المسلمين بمثل هذا المعنى فقال: " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".[249] وهذا يفسر لنا ما نجده في القرآن من مدح[250]لبني اسرائيل في سورة وذم في سورة أخرى[251]وهذا ما غفل عن سره بعضهم فقال كيف يمدح ويذم؟ وهل هذا إلا التناقض فإما أن يمدح فلا يذم أو يذم فلا يمدح. غفل هؤلاء عن أن القرآن يمدح القوم حينما يكونون ـ ولو في بعض الفترات الزمنية ـ ملتزمين بأوامر الله مطبقين لها، فهم هنا يستحقون المدح والثناء حتى

--> 247 البلاغي؛ الشيخ محمد جواد: الهدى إلى دين المصطفى ٢/ ٣٢٣ 248 البقرة: 111 249 الطوسي، محمد بن الحسن: الأمالي 536، ومسند أحمد 2/ 285 250 (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) البقرة: 47 251 (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) النساء: 155