فوزي آل سيف

76

من قصة الديانات والرسل

الرابعة: أن القرآن الكريم يثبت حصول تحريف في التوراة والإنجيل من جهتين؛ فمن جهة اجمالية ذكر باللوم والتقريع فعل الكهنة والأحبار الذين قاموا بهذه العملية وكشف عن دوافعهم فذكر في آيات كثيرة أنحاء من هذا الفعل، بكتمان الحقائق وسترها مع الحاجة إليها، وبأنهم بدلوا[225] وغيروا ونسبوا ما لغير الله لله! ليشتروا بذلك ثمنًا قليلًا، وبأنهم يسمعون كلام الله عندهم ويعقلونه ثم يحرفونه[226] بعد ذلك تحريفًا لفظيًّا أو معنويًّا، وكان ينبغي على هؤلاء وقد أخذ الله عليهم كعلماء أن يحفظوا كلام الله ثم يبلغونه للناس، أن يكونوا أولى الناس به وأكثرهم إخباتًا وخضوعًا لكن بتركهم ذلك صارت قلوبهم قاسية[227]وصار التحريف عملهم الأساس.. فهذا من جهة نسب إليهم ربنا سبحانه في آيات كثيرة قيامهم بهذا الفعل الخاطئ. ومن جهة أخرى وجدنا عند المقارنة بين كلام الله في القرآن الكريم وبين ما يفترض أنه كلام الله في التوراة فرقًا كبيرًا وبونًا واسعًا وأمورًا لا يجوز نسبتها إلى قول الله وكلامه، ولا إلى فعل الانبياء والرسل.. كل ذلك في التوراة الموجودة بين أيدي اليهود والمسيحيين الآن. وهذا يدل على حصول التحريف التفصيلي[228]في هذا الكتاب، بالإضافة إلى ما سبق ذكره من نسبة الله التحريف الاجمالي للأحبار والكهنة. نعم وكما قلنا في المقدمة الأولى في الصفحات السابقة لم يحصل التغيير الكلي والتحريف التام للتوراة، وإنما تم ابقاء بعض الأحكام والقصص وتم تحريف القسم الآخر: ـ فمن الأحكام التي لم تتعرض للتحريف اللفظي أو المعنوي؛ حرمة الزنا، اللواط والشذوذ الجنسي وكذلك حرمة السرقة ولكن السرقة عندهم أن لا تسرق من أخيك اليهودي، أما إذا كان غيره فقد يكون له حكم آخر كما فضحهم القرآن في ذلك بأنهم يعتبرون الآخرين ليسوا أصحاب حق حتى لو تمت السرقة منهم،[229]وحرمة الربا على اليهود، والغريب أن اليهود اشتهروا على مستوى العالم بأنهم هم الذين يديرون عمليات الربا في المال ويثرون بها!. ـ كذلك في قضايا الزواج فإن هناك أحكامًا مشتركة وهو ما يشير إلى الأصل الواحد الذي نبعت منه مثل تحريم نكاح المحارم وهو ما جاء في القرآن الكريم: "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ"[230]، ويضيفون إلى ذلك ـ كما نقل ـ حرمة الزواج من زوجة الأخ وزوجة العم، بينما ليستا محرمتين في الشريعة الإسلامية. ويتفق أصل تعدد الزوجات عند اليهود مع التعدد عند المسلمين، بفارق أنه لدى اليهود ليس محدودًا بعدد فما دامت القدرة المالية موجودة فليتزوج ما شاء، بينما هو عند المسلمين محدود بالأربع الدائمات.

--> 225 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) البقرة: 79 226 أ(َفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (البقرة: 75 227 (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) المائدة: 13 228 لمن أراد التفصيل في هذا فليرجع إلى كتب المرحوم الإمام الشيخ محمد جواد البلاغي رضوان الله عليه: الرحلة المدرسية، والهدى إلى دين المصطفى وغيرها فلقد جاء فيها بالغاية وأربى على النهاية. 229 (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (آل عمران: 75 230 النساء: 23