فوزي آل سيف
58
من قصة الديانات والرسل
صحف النبي إبراهيم وشريعته (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبراهيم إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).[171] في إطار تعظيم القرآن لصحف وملة إبراهيم ذكرت ملة إبراهيم بهذا اللفظ في القرآن الكريم ثماني مرات، بأنحاء متعددة يجمعها التكريم والدعوة إلى الاقتداء بها واقتفاء أثرها: 1/ من تلك الآيات الآية السابقة الذكر، التي جعلت الانصراف عن ملة إبراهيم وطريقته مقارنًا للسفه فاستعمل القرآن: يرغب عن.. حيث هي معاكسة في المعنى لـ (يرغب في) فكما تشير هذه إلى الاشتياق والانعطاف للمرغوب فيه، كان الفعل عندما يُتْبَع بالحرف (عن) مفيدًا للانصراف وعدم الاعتناء، وإنما كان ذلك من سفه النفس لأن هذه الملة تطابق الفطرة السليمة والعقول الحصيفة والقيم الأخلاقية فلا ينبغي أن يرغب عنها الإنسان. فإذا انصرف عنها وتركها شخص يتبين من ذلك أن فطرته منتكسة وأن نفسه سفيهة. إذ العاقل لا ينصرف عن الحسن إلى القبيح! 2/ في آية أخرى جعلت الهداية في ملة إبراهيم، ولا يقبل ادعاء البعض بأنهم مهتدون لأنهم ينتمون لهذا الدين أو ذاك باسمهم! (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[172]وترد هذه الآية على زعم كثير من أتباع هذه الديانات وأحبارها الذين كانوا يرون أن مجرد الانتماء العنواني لهذه الديانة أو تلك يجعل الشخص من الناجين ومن شعب الله المختار، فتخاطبهم الآية بأن الأمر ليس كذلك! إن حقيقة الديانات هي ما جاء به إبراهيم[173]وهو الأصل في كل الديانات السماوية. 3/ وفي آية ثالثة يأمر الله النبي محمدًا صلى الله عليه وآله مع أنه أفضل من إبراهيم، ومن خلال أمْر النبي تؤمر أمته بأن يعلنوا بأنهم على الصراط المستقيم والدين القيم الذي هو ملة إبراهيم رافضا للشرك والالحاد. (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).[174] 4/ وفي رابعة يقول: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).[175] وهكذا تتالى الآيات في الاشادة بملة إبراهيم والإشارة إليها وطلب الاقتداء بها.. فماهي ملة إبراهيم؟ ماهي هذه الملة؟ وهل كان لها صحف؟ وهل كان فيها تشريعات وسنن ونظام حياتي؟ أولًا: صحف إبراهيم قد ورد ذكرها في القرآن في قوله تعالى:(إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إبراهيم وَمُوسَى)[176]وهكذا في قوله تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإبراهيم الَّذِي وَفَّى)،[177]كما ورد في الروايات أنها عشرون صحيفة،[178]ونحن لا نعلم عن حجم هذه
--> 171 البقرة: 130-131 172 البقرة: 135 173 مر الحديث عن العناصر المشتركة بين الديانات السماوية في العقائد والشرائع والاخلاق. 174 الأنعام: 161 175 آل عمران: 95 176 الأعلى: 18-19 177 النجم: 36- 37 178 المجلسي، المولى محمد باقر: مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول 3 / 273 عن أمير المؤمنين عليه السلام أن صحف إبراهيم كانت عشرين صحيفة وصحف إدريس ثلاثين، وصحف شيث خمسين.