فوزي آل سيف

57

من قصة الديانات والرسل

وبالذات بالنسبة لإسماعيل فإن الموجود في التراث اليهودي الفعلي[167] لا يحيطه بالاحترام اللازم له، وآنئذٍ فليس من المتوقع أن ينسبوا مثل هذه المنقبة لإسماعيل. بل إن جزءًا من ذلك انسحب على حفيده النبي محمد صلى الله عليه وآله، وأمته حيث قالوا بأنه (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ). ومما يذكره الامامية وسائر المسلمين من الشواهد على أن الذبيح هو إسماعيل: 1/ الشاهد القرآني الأول في سورة الصافات يقول ربنا سبحانه وتعالى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إبراهيم * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)[168] وهكذا يستمر القرآن في ذكر هذه الحادثة بتفاصيلها وبعدها بست آيات يقول ربنا سبحانه ذاكرًا، البشارة الثانية لإبراهيم وهي البشارة بإسحاق، ولا معنى لتكرار البشارة إذا كان الشخص واحدًا، وإنما تصح عندما يكون شخصان وبشارتان، الأولى بإسماعيل الذي ذكرت قصته آنفًا، والبشارة الثانية بإسحاق الذي سيكون نبيًا من الصالحين ولا معنى لأن يبشره بأنه سيكون نبيًا ثم يقول له اذبحه! 2/ الشاهد القرآني الثاني: قوله تعالى (فَبَشَّرْنَاهَا بِإسحاق وَمِنْ وَرَاءِ إسحاق يَعْقُوبَ)[169]فإن هذه البشارة كانت قبل ولادة إسحاق، وتمت البشارة لسارة بولد يولد لها، ثم يولد له ولد وهو يعقوب الذي سيكون حفيدها، ومع هذه البشارة بالولد والحفيد لا معنى لأن يُفترض أن الله قد أمر بذبح إسحاق، وإلّا لكان من المناسب أن يسأل إبراهيم النبي ربه؛ لو أمره بالذبح أن كيف تأمرني بذبحه وقد وعدتني أن يكون له ابنٌ ونبي؟ فإما أن يكون ذلك الوعد والبشارة غير صحيح أو أن هذا الأمر ليس صحيحًا وليس جديًّا؟ أ فهل ترى الله قد نسي ما وعده به قبل ولادته حتى إذا جاء ومرت عليه سنوات نسي الموضوع وأمر بذبحه؟ (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا).[170] 3/ الشاهد الثالث: أنه لا خلاف بين اليهود والنصارى والمسلمين أن إسماعيل هو الابن البكر للنبي إبراهيم سواء كان أكبر من إسحاق بخمس أو بعشر سنوات والابتلاء الحقيقي الذي يتحدث عنه سبحانه وتعالى فيقول (وَإِذِ ابْتَلَى إبراهيم رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) يتناسب مع وجود ولد واحد لإبراهيم. وإلا لو كان لديه أكثر من ولد فلا يكون هذا امتحانًا صعبًا كما هو واضح. ويقتضي هذا أن يكون الامتحان قد حدث قبل مجيء إسحاق إلى الدنيا، وأنه لم يكن هناك من ولد لإبراهيم غير إسماعيل. بعد مئة وخمس وسبعين سنة من الزمان، ونبيين عظيمين ستمتد النبوة فيهما، أغلق النبي إبراهيم عينيه قريرهما هانئا ليكون في رحاب الله وجنانه.

--> 167 أشار لذلك العلامة الطباطبائي في الميزان7 / 225، حيث لاحظ: أن من جملة ما يلاحظ على التوراة الموجودة إهمالها ذكر بنائه الكعبة المشرفة وجعله حرمًا آمنًا وتشريعه الحج، ولا يرتاب أي باحث ديني ولا ناقد اجتماعي أن هذا البيت العتيق الذي لا يزال قائما على قواعده منذ أربعة آلاف سنة من أعظم الآيات الإلهية التي تذكر أهل الدنيا بالله سبحانه وآياته، وتستحفظ كلمة الحق دهرًا طويلا، وهو أول بيت لله تعالى وضع للناس مباركا وهدى للعالمين. وليس إهمال ذكره إلا لنزعة إسرائيلية من كتّاب التوراة ومؤلفيها دعتهم إلى الصفح عن ذكر الكعبة؟ وإحصاء ما بناه من المذابح ومذبح بناه بأرض شكيم، وآخر بشرقي بيت إيل، وآخر بجبل الرب. ثم الذي وصفوا به النبي الكريم إسماعيل: أنه كان غلامًا وحشيًا يضاد الناس ويضادونه، ولم يكن له من الكرامة إلا أنه كان مطرودًا من حضرة أبيه، نما راميَ قوسٍ! يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره. 168 الصافات: 101-107 169 هود: 71 170 مريم: 64