فوزي آل سيف
56
من قصة الديانات والرسل
وبعدما نفد ما كان عندها من الماء والطعام صارت تصرخ: هل من أنيس؟ ألا أحدٌ في الوادي؟ ولم تسمع سوى صدى صوتها فصعدت إلى الصفا تتلفت يمينًا وشمالًا فلم تجد أحدًا، وانحدرت إلى المروة حيث لم تجد شيئًا وهكذا ظلت ذاهبة وجائية إلى المروة ومنها! وعندما أتمت شوطها السابع وقد بلغ التعب منها مبلغه؛ بعد أن قطعت أكثر من كيلومترين في تلك الأرض والتلال التفتت إلى حيث وضعت ابنها فإذا بالماء قد تفجر من تحت قدمي إسماعيل. وعاد النبي إبراهيم مرة أخرى ليجد ابنه قد كبر واستوى وأن الناس الذي كانوا في الجوار قد اقتربوا من هاجر وابنها، حيث الماء وما يتبعه من انبعاث الحياة، وفي هذه المرحلة أمر الله نبيه إبراهيم بأن يبني الكعبة المشرفة على قواعدها التي كان من السابق، فرفع إبراهيم القواعد من البيت بمساعدة ابنه إسماعيل وشفتاه تلهجان بذكر الله والدعاء (وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإسماعيل رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).[164] ليستجيب الله دعاءه فيعمر ذلك البيت بالطائفين والعاكفين والركع السجود، وليحقق الله لإبراهيم دعوته فـ (بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).[165] في الطرف الآخر جزى الله سارة عن مواقفها في عطائها نبي الله إبراهيم أموالها وما كانت تملك، وأنها عرضت عليه أن يدخل بجاريتها لكي يحقق الله له رغبته في الولد، وكل ذلك إحسان و(اللَّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فكان جزاءها ما قاله الله تعالى (فَبَشَّرْنَاهَا بِإسحاق وَمِنْ وَرَاءِ إسحاق يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أهل البيت إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ).[166] إن العطاء الالهي لا يخضع للمقاييس المادية التي نعرفها، فهو يتجاوز القوانين الطبيعية ويستثير العجب في أنه كيف تنجب امرأة وقد تجاوزت السبعين من العمر؟ لكن هو (أمر الله)، بل لم يتوقف العطاء عند هذا الحد بل جاءت البشارة بالحفيد أيضًا وفي هذا معنى أن إسحاق سيأتي ويبقى سالمًا وسيتزوج وينجب الخلف له أيضًا وهو يعقوب! لقد كان أصل حملها وانجابها هو فوق التوقعات وأكثر مما كان يرجى! فإذا بالوعد الالهي يعطيها الأمل لأحفادها! من هو الولد الذي أمر الله إبراهيم بذبحه؟ الرأي الموجود لدى اليهود والمسيحيين أن الذبيح هو إسحاق عليه السلام. لكن الرأي السائد عند الإمامية هو أن الذبيح إسماعيل عليه السلام. بينما انقسم الرأي في مدرسة الخلفاء فبينما ذهب الأكثر منهم أنه إسماعيل ذهب غيرهم إلى أن الذبيح هو إسحاق. ومن الطبيعي أن يرى اليهود ومن بعدهم المسيحيون أن هذه المنزلة العليا من التسليم خاصة بإسحاق وهو أساس الأمة اليهودية فيما يرونه ووالد يعقوب (اسرائيل) والذي ينتسبون إليهم فهم (بنو اسرائيل) ومنه أخذوا وجودهم وكيانهم! فإذا دار الأمر بينه وبين غيره أن يكون في المنزلة العالية فمن الطبيعي أن تنسب إليه! يضاف إلى ذلك ما يقولونه بأن إبراهيم لم يذهب إلى أرض الحجاز فلا معنى لأن تجري أحداث القصة بالنحو الذي يرويها المسلمون مكانًا وشخصيات.
--> 164 البقرة: 127- 129 165 الجمعة: 2 166 هود: 71-73