فوزي آل سيف

55

من قصة الديانات والرسل

النبي (!) وما يقع عليه من التعيير من خصومه في هذا الجانب وأنه كيف يكون نبيًا مقربًا من الله وهو لا يعطيه ما يعطي أي مخلوق عادي من البنين والبنات والذرية العريضة!! وفي هذا درس لنا ولعوائلنا وأسرنا في صبر كل من الزوجين على الآخر ومع الآخر فإن نبي الله وسارة هنا صبرا وحافظا على حياتهما الزوجية وانسجامهما مدة تتجاوز خمسين سنة على الأقل! نستفيد من ذلك درسًا ألًا يقوم أحدنا (من الآباء أو الأمهات) إذا تأخر الإنجاب مدة ستة أشهر من تاريخ زواج ابنائنا بدأنا في تحريض من يتصل بنا ولا سيما إذا علم أن السبب في عدم الانجاب من الزوج فتقوم (قيامة) أهل الزوجة في ذلك حتى يطالبوه بطلاق ابنتهم حتى ترى حياتها كما يقولون! وأسوأ من ذلك لو كان السبب من الزوجة فما أسرع ما يتم طلاقها من ابنهم!! قضية نبي الله إبراهيم تخبرنا بأن الصبر عاقبته حميدة وبأن الله هو الذي (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ).[163] وبالعكس من ذلك فإن سارة عليها السلام، وعلى خلاف الطبيعة الأنثوية للمرأة في أنها تحب أن يكون زوجها لها بالكامل وألّا يشاركها في عواطفه أحد.. فإنها عرضت على النبي إبراهيم جاريتها هاجر لكي يدخل بها فلعل الله يرزقه منها مولودًا ما دام لم يرزق منها هي! لا سيما وأنها هي بحسب الظروف العادية لن تكون لها فرصة في الانجاب له، ومثله من يتوق للولد ليواصل مسيرته في هداية الناس لخالقهم! انتج دخول إبراهيم بهاجر جارية سارة أن رزقه الله إسماعيل بعد هذه المدة الطويلة، وبمقدار ما كان مجيء إسماعيل إلى بيت إبراهيم باعثًا للسرور في نفس إبراهيم عليه السلام، فقد كان مثيرًا للغيرة بين المرأتين كما قيل، حيث أنجبت هاجر ولم تنجب سارة مع طول المدة إلى الآن، فإن من الطبيعي أن يحظى المولود الجديد بمحبة خاصة في نفس أبيه، ولمزيد من الاهتمام لقدومه بعد هذا الانتظار الطويل، فكان لا بد من حلٍّ وهنا جاء أمر الله تعالى ولإكمال مراتب ودرجات النبي إبراهيم في مراحل متعددة من الامتحان، بأن يذهب بهاجر وطفلها إلى (واد غير ذي زرع) ويتركهما هناك متوكلًا على الله تعالى لأمر هو بالغه! كان الأمر يحتاج إلى تضحية كبيرة؛ من هاجر التي يتطلب منها الموافقة على ذلك والتسليم لأمر الله والصبر على الغربة في تلك المنطقة النائية! ومن إبراهيم الذي يحتاج إلى أن يلتزم أمر الله سبحانه في أن يترك طفله الصغير الذي جاءه بعد عقود من زمان الانتظار، ومن الممكن أن يكون في تلك المنطقة الجديدة عرضة للخطر. وعلى كل حال فقد خف إبراهيم ومعه هاجر وطفله الصغير إسماعيل في رحلة سيكون من نتيجتها بعد سنوات أن سيبنى بيت التوحيد، وستعمر المنطقة بالموحدين المؤمنين بالله. تقول بعض الروايات أن هاجر بعدما علمت بنية زوجها أن يسكنها منطقة أخرى غير فلسطين التي كانوا فيها، كانت كلما مروا بمنطقة خصبة وفيرة المياه كثيرة الأشجار سألته هل سننزل هنا؟ ويجيبها بالنفي إلى أن وصلوا بعد فترة طويلة إلى مكة وهي التي وصفها بأنها واد غير ذي زرع، ولا أحد يسكن تلك المنطقة، طرح رحاله مأمورًا من ربه أن يُسكِن أهله في هذه المنطقة. وحين أراد العودة إلى فلسطين، سألته زوجته باستغراب: إلى من تَكِلنا في هذا المكان الموحش؟ قال: إلى الله أكِلُكم! قالت: ربك أمرك أن تفعل هذا؟ قال: نعم! فقالت: إذن لا يضيعنا!

--> 163 الشورى: 49